أداء الزكاة اسقاط الواجب عن ذمته فلا يتصور قبل الوجوب {ولنا} ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه استسلف من العباس صدقة عامين ثم بكمال النصاب حصل الوجوب على أحد الطريقين لاجتماع شرائط الزكاة من النصاب النامي وغنى المالك وحولانُ الحول تأجيلٌ وتعجيل الدين المؤجل صحيح وعلى الطشريق الآخر ان سبب الوجوب قد تقرر وهو المال والأداء بعد تقرر سبب الوجوب جائز كالمسافر إذا صام في رمضان والرجل إذا صلى في أول الوقت جاز لوجود سبب الوجوب وإن كان الوجوب متأخراً أو لأن تأخر الوجوب لنحقق النماء فاذا تحقق استند إلى أول السنة فكان التعجيل صحيحاً ولهذا قلنا أن تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب يجوز التعجيل لسنتين عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز إلا لسنة واحدة فان التعجيل عنده على آخر الحول لا على أوله قال ألا ترى أن التعجيل قبل كمال النصاب لا يجوز لأن الحول غير منعقد عليه فكذلك الحولُ الثاني بعد كمال النصاب {و لنا} حديث العباس رضي الله عنه والمعنى فيه أن ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة في كل حول ما لم ينتقص عنه وجواز التعجيل باعتبار تمام السبب وفي ذلك الحولُ الثاني كالحول الأول بخلاف ما قبل كمال النصاب. ثم بعد كمال النصاب يجوز التعجيل عن النصب عندنا وعلى قول زفر رحمه الله لا يجوز التعجيل إلا عن النصاب الموجود في ملكه حتى اذا كان له خمس من الابل فعجل أربع شياه ثم تم الحول وفي ملكه عشرون من الابل عندنا يجوز التعجيل عن الكل وعند زفر رحمه الله تعالى لا يجوز إلا عن زكاة الخمس قال لأن جواز التعجيل بعد وجود ملك المال بدليل النصاب الأول {وحجتنا} فيه أن ملك النصاب كما هو سبب لوجوب الزكاة فيه عند كمال الحول فهو سبب لوجوب الزكاة فيه في نصب يملكها عند كمال الحول فاذا جعل الملك الحاصل في خلال الحول كالموجود في أوله في وجوب الزكاة فكذلك في جواز التعجيل يجعل المستفاد في خلال الحول كالموجود في أوله. وإذا لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول لهلاك ما له فليس له أن يسترد من الفقير ما أداه إليه عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى أن يسترد المال من الفقراء الذين دفع إليهم أن بين له أنه يعطي معجلا وان أطلق عند الأداء لم يكن له أن يرجع عليه وقال إذا بين له أنه يعطيه ما يستحقه عليه بوجوب الزكاة فاذا لم يثبت الاستحقاق كان له أن يرجع عليه كمن قضي دين انسان ثم انفسخ السبب الموجب للدين {و لنا} أن المتصدق يجعل ما يؤديه لله تعالى خالصا ثم يصرفه إلى الفقراء ليكون كفاية لهم من الله تعالى وقد تم ذلك بالوصول إلى يد الفقير فلا يرجع عليه بشيء بل ان وجبت الزكاة كان مؤديا للواجب وان لم تجب كان متنفلا كما لو أطلق الأداء {قال} وينظر في السائمة إلى كمال النصاب فتجب الزكاة فيه وإن كانت قيمتها ناقصة عن مائتي درهم وينظر إلى قيمتها أن أراد بها التجارة فان كانت أقل من مائتي درهم لم تجب الزكاة وإن كان العدد كاملا لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر في السائمة كمال العدد دون القيمة ولأن النماء في السائمة مطلوب من عينها وفي مال التجارة إنما يطلب النماء من ماليتها فاعتبرنا النصاب في الموضعين من حيث يطلب النماء فاذا كانت قيمتها أقل من مائتي درهم لم تجب فيها زكاة التجارة لنقصان النصاب ولا زكاة السائمة وإن كان العدد كاملا لأن النصاب فيها غير معتبر من حيث العدد فان قيل إذا لم تجب فيها زكاة التجارة صار وجود نية التجارة كعدمها فتجب زكاة السائمة. قلنا نية التجارة معتبرة في اخراجها من أن تكون سائمة معنى على ما بينا والصورة بدون المعنى لا تكفي لإيجاب الزكاة {قال} واذا اشترى الابل للتجارة فلما مضت طائفة من الحول بدا له فجعلها سائمة فرارا من الصدقة فلا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من حين جعلها سائمة لأنه نوى ترك التجارة فيها وهو تارك لها في ذلك الوقت حقيقة فاقترنت النية بالفعل وزكاة السائمة ليست من جنس زكاة التجارة فلا يمكن بناء أحدهما على الآخر فقلنا باستئناف الحول من حين جعلها سائمة {قال} ويؤخذ من بني تغلب صدقة سائمتهم ضعف ما يؤخذ من المسلم إذا بلغت مقدار ما يجب في مثله الصدقة على المسلم وبنو تغلب قوم من النصارى من العرب كانوا بقرب الروم فلما أراد عمر رضي الله عنه أن يوظف عليهم الجزية أبوا وقالوا نحن من العرب نأنف من أداء الجزية فان وظفت عليها الجزية لحقنا باعدائك من الروم وإن رأيت أن تأخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض وتضعفه عليها فعلنا ذلك فشاور عمر رضي الله عنه الصحابة في ذلك وكان الذي يسعى بينه وبينهم كردوس التغلبي فقال يا أمير المؤمنين صالحهم فانك ان تناجزهم لم تطقهم فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن يأخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان رضي الله عنه فلزم أول الامة وآخرها فان قيل أليس أن علياً رضي الله عنه أراد أن ينقض صلحهم حين رآهم قلوا وذلوا قلنا قد شاور الصحابة رضي الله عنهم في ذلك ثم اتفق معهم على أنه ليس لأحد أن ينقض هذا الصلح وذكر محمد رحمه الله تعالى في النوادر أن صلحهم في الابتداء كان ضغطة ولكن تأيد بالإجماع وبقول صلى الله عليه وسلم ان ملكا ينطق على لسان عمر رضي الله عنه وقال أينما دار عمر رضي الله عنه فالحق يدور معه. إذا عرفنا هذا فنقول لا يؤخذ من المسلم مما دون النصاب شيء فكذلك منهم ويؤخذ من النصاب من المسلم ما قدره الشرع في كل مال فيؤخذ منهم ضعف ذلك لأن الصلح وقع على هذا ويؤخذ من نسائهم مثل ما يؤخذ من رجالهم. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنها لا تؤخذ من نسائهم قال لأنها بدل عن الجزية ولا جزية على النساء وجه ظاهر الرواية أن هذا مال الصلح والنساء فيه كالرجال قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه خذ من كل حالم وحالمة ديناراً أو عدله معا فرية وهو نظير الدية على العاقلة لا شيء منها على النساء فان صالحت امرأة عن قصاص علي مال أخذت به وهذا لأن الوفاء بالعهد واجب من الجانبين والعهد على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين والصدقة تؤخذ من المسلمات كما تؤخذ من الرجال فكذلك في حقهم. ولا يؤخذ من صبيانهم شيء