كان في الأخير، وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعا، ولفظه نحو حديث ابن عباس إلا أنه قال "الزاكيات" بدل المباركات وكأنه بالمعنى، لكن أورد على الشافعي زيادة "بسم الله" في أول التشهد، ووقع في رواية عمر المذكورة لكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه لا من طريق الزهري عن عروة التي أخرجها مالك أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغيرهما وصححه الحاكم مع كونه موقوفا، وثبت في الموطأ أيضا عن ابن عمر موقوفا ووقع أيضا في حديث جابر المرفوع تفرد به أيمن بن نابل بالنون ثم الموحدة عن أبي الزبير عنه، وحكم الحفاظ - البخاري وغيره - على أنه أخطأ في إسناده وأن الصواب رواية أبي الزبير عن طاوس وغيره عن ابن عباس. وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة. وقد ترجم البيهقي عليها "من استحب أو أباح التسمية قبل التحية" وهو وجه لبعض الشافعية وضعف، ويدل على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهد وغيره "فإذا قعد أحدكم فليكن أول قوله التحيات لله" الحديث. كذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بسنده. وأخرج مسلم من طريق عبد الرزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها أخرجه البيهقي وغيره. ثم إن هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل وكلام الشافعي المتقدم يدل على ذلك، ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت، لكن كلام الطحاوي يشعر بأن بعض العلماء يقول بوجوب التشهد المروي عن عمر، وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود، وذهب بعضهم كابن خزيمة إلى عدم الترجيح، وقد تقدم الكلام عن المالكية أن التشهد مطلقا غير واجب، والمعروف عند الحنفية أنه واجب لا فرض، بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم. وقال الشافعي: هو فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله "التحيات لله سلام عليك أيها النبي الخ" كرهت ذلك له ولم أر عليه إعادة، هذا لفظه في الأم. وقال صاحب الروضة تبعا لأصله: وأما أقل التشهد فنص الشافعي وأكثر الأصحاب إلى أنه. . فذكره، لكنه قال "وأن محمدا رسول الله" قال: ونقله ابن كج والصيدلاني فقالا "وأشهد أن محمدا رسول الله" لكن أسقطا "وبركاته" ا هـ. وقد استشكل جواز حذف "الصلوات" مع ثبوتها في جميع الروايات الصحيحة وكذلك "الطيبات" مع جزم جماعة من الشافعية بأن المقتصر عليه هو الثابت في جميع الروايات، ومنهم من وجه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظاهر من سياق ابن عباس، لكن يعكر على هذا ما تقدم من البحث في ثبوت العطف فيهما في سياق غيره وهو يقتضي المغايرة. (فائدة) : قال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فيكون مقصرا بخدمة الله وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها. واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقا للعباد مع حق الله، وأن من تركها أخل يحق جميع المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" . (تنبيه) : ذكر خلف في الأطراف أن في بعض النسخ من صحيح البخاري عقب حديث الباب في التشهد عن أبي نعيم "حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور وحماد عن أبي وائل" وبذلك جزم أبو نعيم في مستخرجه فأخرجه من طريق أبي نعيم عن الأعمش به. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان به، ثم أخرجه من طريق أبي نعيم عن يوسف بن سليمان وقال: أخرجه البخاري عن أبي نعيم فيما أرى ا هـ. وبذلك جزم المزي في الأطراف، ولم أره في شيء من الروايات التي اتصلت لنا هنا لا عن قبيصة ولا عن أبي نعيم عن سيف، نعم هو في الاستئذان عن أبي نعيم. بهذا الإسناد، والله أعلم. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الثاني >> كِتَاب الْأَذَانِ >> باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ الحديث: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو الشرح: قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) زاد أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه "فيدعو به" ونحوه النسائي من وجه آخر بلفظ "فليدع به" ولإسحاق عن عيسى عن الأعمش "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب" وفي رواية منصور عن أبي وائل عند المصنف في الدعوات "ثم ليتخير من الثناء ما شاء" ونحوه لمسلم بلفظ "من المسألة" واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثورا، قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعا أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم، وكلا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح في أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقا لا يجوز، وقد ورد فيما يقال بعد التشهد أخبار من أحسنها ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمير بن سعد قال "كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يعلمنا التشهد في الصلاة ثم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون. ربنا آتنا في الدنيا حسنة" الآية. قال ويقول: لم يدع نبي ولا صالح بشيء إلا دخل في هذا الدعاء. وهذا من المأثور غير مرفوع، وليس هو مما ورد في القرآن. وقد استدل البيهقي بالحديث المتفق عليه "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به" وبحديث أبي هريرة رفعه "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله" الحديث. وفي آخره "ثم ليدعو لنفسه بما بدا له" هكذا أخرجه البيهقي. وأصل الحديث في مسلم. وهذه الزيادة صحيحة لأنها من الطريق التي أخرجها مسلم. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد السابع >> بقية كِتَاب الْمَنَاقِبِ >> باب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الحديث: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا الشرح: قوله: (عن عمارة) هو ابن القعقاع. قوله: (عن أبي هريرة) في رواية مسلم عن ابن نمير عن ابن فضيل بهذا الإسناد "سمعت أبا هريرة" . قوله: (أتى جبريل) في رواية سعيد بن كثير عند الطبراني أن ذلك كان وهو بحراء. قوله: (هذه خديجة قد أتت) في رواية مسلم "قد أتتك" ومعناه توجهت إليك، وأما قوله ثانيا، "فإذا هي أتتك" فمعناه وصلت إليك. قوله: (إناء فيه إدام أو طعام أو شراب) شك من الراوي، وكذا عند مسلم. وفي رواية الإسماعيلي "فيه إدام أو طعام وشراب" وفي رواية سعيد بن كثير المذكور عند الطبراني أنه كان حيسا. قوله: (فاقرأ عليها السلام من ربها ومني) زاد الطبراني في الرواية المذكورة "فقالت: هو السلام ومنه والسلام وعلى جبريل السلام" وللنسائي من حديث أنس قال: "قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقرئ خديجة السلام" يعني فأخبرها "فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته" زاد ابن السني من وجه آخر "وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان" ، قال العلماء في هذا القصة دليل على وفور فقهها، لأنها لم