إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الشرح: قوله: (عن شقيق) في رواية يحيى الآتية بعد باب "عن الأعمش حدثني شقيق" . قوله: (كنا إذا صلينا) في رواية يحيى المذكورة "كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة" ولأبي داود عن مسدد شيخ البخاري فيه "إذا جلسنا" ومثله للإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد عن يحيى، وله من رواية علي بن مسهر، ولابن إسحاق في مسنده عن عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش نحوه. قوله: (قلنا السلام على جبريل) وقع في هذه الرواية اختصار ثبت في رواية يحيى المذكورة وهو "قلنا السلام على الله من عباده" كذا وقع للمصنف فيها، وأخرجه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه فقال "قبل عباده" وكذا للمصنف في الاستئذان من طريق حفص بن غياث عن الأعمش وهو المشهور في أكثر الروايات وبهذه الزيادة يتبين موقع قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله هو السلام" ولفظه في رواية يحيى المذكورة "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام" . قوله: (السلام على فلان وفلان) في رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجه يعنون الملائكة، وللإسماعيلي من رواية على بن مسهر "فنعد الملائكة" ومثله للسراج من رواية محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ "فنعد من الملائكة ما شاء الله" . قوله: (فالتفت) ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة، ونحوه في رواية حصين عن أبي وائل وهو شقيق عند المصنف، في أواخر الصلاة بلفظ "فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قولوا" لكن بين حفص بن غياث في روايته المذكورة المحل الذي خاطبهم بذلك فيه وأنه بعد الفراغ من الصلاة ولفظه "فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه" وفي رواية عيسى بن يونس أيضا "فلما انصرف من الصلاة قال" . قوله: (إن الله هو السلام) قال البيضاوي ما حاصله: أنه صلى الله عليه وسلم أنكر التسليم على الله وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها. وقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات. وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب. ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك. وقال النووي: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياء وقيل المسلم عليهم، قال ابن الأنباري أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه سبحانه وتعالى عنها. قوله: (فإذا صلى أحدكم فليقل) بين حفص في روايته المذكورة محل القول ولفظه "فإذا جلس أحدكم في الصلاة" وفي رواية حصين المذكورة "إذا قعد أحدكم في الصلاة" وللنسائي من طريق أبي الأحوص عن عبد الله "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وأن محمدا علم فواتح الخير وخواتمه فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا" وله من طريق الأسود عن عبد الله "فقولوا في كل جلسة" ولابن خزيمة من وجه آخر عن الأسود عن عبد الله "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها" وزاد الطحاوي من هذا الوجه في أوله "وأخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقننيه كلمة كلمة" وللمصنف في الاستئذان من طريق أبي معمر عن ابن مسعود "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن" واستدل بقوله "فليقل" على الوجوب خلافا لمن لم يقل به كمالك، وأجاب بعض المالكية بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله صلى الله عليه وسلم لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) "اجعلوها في ركوعكم" الحديث فكذلك التشهد، وأجاب الكرماني بأن الأمر حقيقته الوجوب فيحمل عليه إلا إذا دل دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود لحملناه على الوجوب. انتهى. وفي دعوى هذا الإجماع نظر، فإن أحمد يقول بوجوبه ويقول بوجوب التشهد الأول أيضا، ورواية أبي الأحوص المتقدمة وغيرها تقويه، وقد قدمنا ما فيه قبل بباب، وقد جاء عن ابن مسعود التصريح بفرضية التشهد، وذلك فيما رواه الدار قطني وغيره بإسناد صحيح من طريق علقمة عن ابن مسعود "كنا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" . قوله: (التحيات) جمع تحية ومعناها السلام وقيل البقاء وقيل العظمة وقيل السلامة من الآفات والنقص وقيل الملك. وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية الملك نفسه لكنها الكلام الذي يحيا به الملك. وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله. وقال الخطابي ثم البغوي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم فقال: قولوا التحيات لله، أي أنواع التعظيم له. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. قوله: (والصلوات) قيل المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة وقيل المراد العبادات كلها، وقيل الدعوات، وقيل المراد الرحمة، وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات. قوله: (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل الطيبات ذكر الله، وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم، قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله، وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به، وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله "لله" أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء. وإذا حملت على الدعاء فظاهر، وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم