نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ الشرح: قوله: (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب) في رواية الطبري من طريق عمرو بن الحارث عن يونس عن الزهري "أخبرني أبو سلمة وسعيد" كذا قال يونس بن يزيد عن الزهري، ورواه مالك عن الزهري فقال "إن سعيد بن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة" وسيأتي ذلك للمصنف قريبا، وتابع مالكا أبو أويس عن الزهري أخرجه أبو عوانة من طريقه، ورجح ذلك عند النسائي فاقتصر عليه، وكأن البخاري جنح إلى تصحيح الطريقين فأخرجهما معا، وهو نظر صحيح، لأن الزهري صاحب حديث، وهو معروف بالرواية عن هؤلاء فلعله سمعه منهم جميعا، ثم هو من الأحاديث التي حدث بها مالك خارج الموطأ واشتهر أن جويرية تفرد به عنه، ولكن تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدار قطني في غرائب من طريقه. قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) سقط لفظ الشك من بعض الروايات. واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت، واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن ابن عباس قال: أرجى آية في القرآن (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) الآية، قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال: بلى. ومن طريق معمر عن قتادة عن ابن عباس نحوه، ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس نحوه، وهذه طرق يشد بعضها بعضا وإلى ذلك جنح عطاء فروى ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج "سألت عطاء عن هذه الآية قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ذلك" وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال "ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع" ومن طريق حجاج عن ابن جريج قال " بلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار عليه السباع والطير فعجب وقال: رب لقد علمت لتجمعنها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى" وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي قال "لما اتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له" فذكر قصة معه كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال "فقام إبراهيم يدعو ربه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أن خليلك" وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العوام عن أبي سعيد قال "ليطمئن قلبي بالخلة" ومن طريق قيس بن مسلم عن سعيد بن جبير قال "ليطمئن قلبي أن خليلك" ومن طريق الضحاك عن ابن عباس "لأعلم أنك أجبت دعائي" . ومن طريق علي بن ابن طلحة عنه "لأعلم أن تجيبني إذا دعوتك" . وإلى هذا الأخير جنح القاضي أبو بكر الباقلاني، وحكى ابن التين عن الداودي الشارح أنه قال: طلب إبراهيم ذلك لتذهب عنه شدة الخوف، قال ابن التين: وليس ذلك بالبين؛ وقيل كان سبب ذلك أن نمرود لما قال له ما ربك؟ قال ربي الذي يحيي ويميت، فذكر ما قص الله مما جرى بينهما، فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شك منه في القدرة، ولكن أحب ذلك وأشتاق إليه فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده، أخرجه الطبري عن ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال: المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيي الموتى.