المحيط في الاحاديث النبوية والسنن والاثار

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
المحيط في الاحاديث النبوية والسنن والاثار
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الشمس؟ فقلت عن أحدثكم حديث أنس عن أنس: أن نفرا من عكل ثمانية، قدموا على

عنبسة بن سعيد: والله إن سمعت كاليوم قط، فقلت: أترد علي حديثي يا عنبسة؟ قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم، قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليه نفر من الأنصار، فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان تحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (بمن تظنون، أو ترون، قتله) . قالوا: نرى أن اليهود قتلته. فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: (آنتم قتلتم هذا) . قالوا: لا، قال: (أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه) . قالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم ينتفلون، قال: (أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم) . قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده، قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل، فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم، وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلا، وقدم رجل منهم من الشأم، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجل آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا: فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا، حتى إذا كانوا بنخلة، أخذتهم السماء، فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعا، وأفلت القرينان، واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولا ثم مات، قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلا بالقسامة، ثم ندم بعدما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا، فمحوا من الديوان، وسيرهم إلى الشأم. الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: ٦٨٩٩ خلاصة حكم المحدث: [صحيح] ? - -- ١٤ - كنت ممن ولد برامهرمز وبها نشأت، وأما أبي فمن أصبهان. وكانت أمي لها غنى، فأسلمتني إلى الكتاب، وكنت أنطلق مع غلمان من أهل قريتنا إلى أن دنا مني فراغ من الكتابة، ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أطول، وكان ثم جبل فيه كهف في طريقنا، فمررت ذات يوم وحدي، فإذا أنا فيه برجل عليه ثياب شعر، ونعلاه شعر، فأشار إلي، فدنوت منه. فقال: يا غلام! أتعرف عيسى ابن مريم؟ قلت: لا. قال: هو رسول الله. آمن بعيسى وبرسول يأتي من بعده اسمه أحمد، أخرجه الله من غم الدنيا إلى روح الآخرة ونعيمها. قلت: ما نعيم الآخرة؟ قال: نعيم لا يفنى. فرأيت الحلاوة والنور يخرج من شفتيه، فعلقه فؤادي وفارقت أصحابي، وجعلت لا أذهب ولا أجيء إلا وحدي. وكانت أمي ترسلني إلى الكتاب، فأنقطع دونه، فعلمني شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسول الله، ومحمدا بعده رسول الله، والإيمان بالبعث، وعلمني القيام في الصلاة، وكان يقول لي: إذا قمت في الصلاة فاستقبلت القبلة، فاحتوشتك النار، فلا تلتفت، وإن دعتك أمك وأبوك، فلا تلتفت، إلا أن يدعوك رسول من رسل الله، وإن دعاك وأنت في فريضة، فاقطعها، فإنه لا يدعوك إلا بوحي. وأمرني بطول القنوت، وزعم أن عيسى عليه السلام قال: طول القنوت أمان على الصراط، وطول السجود أمان من عذاب القبر، وقال: لا تكذبن مازحا ولا جادا حتى يسلم عليك ملائكة الله، ولا تعصين الله في طمع ولا غضب، لا تحجب عن الجنة طرفة عين. ثم قال لي: إن أدركت محمد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمن به، واقرأ عليه السلام مني، فإنه بلغني أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: من سلم على محمد رآه أو لم يره، كان له محمد شافعا ومصافحا. فدخل حلاوة الإنجيل في صدري. قال: فأقام في مقامه حولا، ثم قال: أي بني! إنك قد أحببتني وأحببتك، وإنما قدمت بلادكم هذه: إنه كان لي قريب، فمات، فأحببت أن أكون قريبا من قبره أصلي عليه وأسلم عليه، لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة، يقول الله: من وصل قرابته، وصلني، ومن قطع قرابته، فقد قطعني، وإنه قد بدا لي الشخوص من هذا المكان، فإن كنت تريد صحبتي فأنا طوع يديك. قلت: عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي. قال: إن كنت تريد أن تهاجر مهاجر إبراهيم عليه السلام فدع الوالدة والقرابة، ثم قال: إن الله يصلح بينك وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة. فخرجت معه، فأتينا نصيبين، فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه ويبسطون له أرديتهم، وقالوا: مرحبا بسيدنا وواعي كتاب ربنا. فحمد الله، ودمعت عيناه وقال: إن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله، فأبشروا بالنظر إلى الله. ثم قال: إني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهرا، فاستوصوا بهذا الغلام فإني رأيته رقيقا، سريع الإجابة. فمكث شهرا لا يلتفت إلي ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف ولا ينصرف، فقالوا: لو تعرضت له، فقلت: أنتم أعظم عليه حقا مني، قالوا: أنت ضعيف، غريب، ابن سبيل، وهو نازل علينا، فلا تقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقله. فعرضت له فارتعد، ثم جثا على ركبتيه، ثم قال: مالك يا بني؟ جائع أنت؟ عطشان أنت؟ مقرور أنت؟ اشتقت إلى أهلك؟ قلت: بل أطعت هؤلاء العلماء. قال: أتدري ما يقول الإنجيل؟ قلت: لا، قال: يقول من أطاع العلماء فاسدا كان أو مصلحا، فمات فهو صديق، وقد بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس. فجاء العلماء، فقالوا: يا سيدنا امكث يومك تحدثنا وتكلمنا، قال: إن الإنجيل حدثني أنه من هم بخير فلا يؤخره. فقام فجعل العلماء يقبلون كفيه وثيابه، كل ذلك يقول: أوصيكم ألا تحتقروا معصية الله، ولا تعجبوا بحسنة تعملونها. فمشى ما بين نصيبين والأرض المقدسة شهرا يمشي نهاره، ويقوم ليله حتى دخل بيت المقدس، فقام شهرا يصلي الليل والنهار. فاجتمع إليه علماء بيت المقدس، فطلبوا إلي أن أتعرض له. ففعلت. فانصرف إلي، فقال لي كما قال في المرة الأولى. فلما تكلم، اجتمع حوله علماء بيت المقدس، فحالوا بيني وبينه يومهم وليلتهم حتى أصبحوا، فملوا وتفرقوا، فقال لي: أي بني! إني أريد أن أضع رأسي قليلا، فإذا بلغت الشمس قدمي فأيقظني. قال: وبينه وبين الشمس ذراعان. فبلغته الشمس، فرحمته لطول عنائه وتعبه في العبادة، فلما بلغت الشمس سرته استيقظ بحرها. فقال: مالك لم توقظني؟ قلت: رحمتك لطول عنائك. قال: إني لا أحب أن تأتي علي ساعة لا أذكر الله فيها ولا أعبده، أفلا رحمتني من طول الموقف؟ أي بني! إني أريد الشخوص إلى جبل فيه خمسون ومئة رجل أشرهم خير مني. أتصحبني؟ قلت: نعم. فقام فتعلق به أعمى على الباب. فقال: يا أبا الفضل تخرج ولم أصب منك خيرا، فمسح يده على وجهه، فصار بصيرا. فوثب مقعد إلى جنب الأعمى، فتعلق به فقال: من علي من الله عليك بالجنة. فمسح يده عليه. فقام فمضى. يعني الراهب. فقمت أنظر يمينا وشمالا لا أرى أحدا. فدخلت بيت المقدس فإذا أنا برجل في زاوية عليه المسوح، فجلست حتى انصرف. فقلت: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فذكر اسمه، فقلت: أتعرف أبا الفضل؟ قال: نعم، وودت أني لا أموت حتى أراه، أما إنه هو الذي من علي بهذا الدين، فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي يخرج من جبال تهامة، يقال له: محمد بن عبد الله، يركب الجمل والحمار والفرس والبغلة، ويكون الحر والمملوك عنده سواء، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه، لو قسمت بين الدنيا كلها لم يكن لها مكان، بين كتفيه كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها: الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، وظاهرها: توجه حيث شئت فإنك المنصور، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يظلم معاهدا ولا مسلما. فقمت من عنده فقلت: لعلي أقدر على صاحبي، فمشيت غير بعيد، فالتفت يمينا وشمالا لا أرى شيئا. فمر بي أعراب من كلب، فاحتملوني حتى أتوا بي يثرب، فسموني ميسرة. فجعلت أناشدهم، فلا يفقهون كلامي، فاشترتني امرأة يقال لها: خليسة بثلاث مئة درهم. فقالت: ما تحسن؟ قلت: أصلي لربي وأعبده، وأسف الخوص. قالت: ومن ربك؟ قلت: رب محمد. قالت: ويحك! ذاك بمكة، ولكن عليك بهذه النخلة، وصل لربك لا أمنعك، وسف الخوص، واسع على بناتي، فإن ربك يعني إن تناصحه في العبادة يعطك سؤلك. فمكثت عندها ستة عشر شهرا حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فبلغني ذلك وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال. فانتقيت شيئا من الخلال، فجعلته في ثوبي، وأقبلت أسأل عنه، حتى دخلت عليه وهو في منزل أبي أيوب، وقد وقع حب لهم فانكسر، وانصب الماء، فقام أبو أيوب وامرأته يلتقطان الماء بقطيفة لهما لا يكف على النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله فقال: ما تصنع يا أبا أيوب؟ فأخبره. فقال: لك ولزوجتك الجنة. فقلت: هذا والله محمد رسول الرحمة. فسلمت عليه، ثم أخذت الخلال فوضعته بين يديه. فقال: ما هذا يا بني؟ قلت: صدقة. قال: إنا لا نأكل الصدقة. فأخذته وتناولت إزاري وفيه شيء آخر، فقلت: هذه هدية. فأكل وأطعم من حوله، ثم نظر إلي، فقال: أحر أنت أم مملوك؟ قلت: مملوك. قال: ولم وصلتني بهذه الهدية؟. قلت: كان لي صاحب من أمره كذا، وصاح ب من أمره كذا، فأخبرته بأمرهما. قال: أما إن صاحبيك من الذين قال الله {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ٥٢} وإذا يتلى عليهم. . . الآية، ما رأيت في ما خبرك؟ قلت: نعم، إلا شيئا بين كتفيك. فألقى ثوبه، فإذا الخاتم، فقبلته، وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا بني! أنت سلمان, ودعا عليا، فقال: اذهب إلى خليسة، فقل لها: يقول لك محمد إما أن تعتقي هذا، وإما أن أعتقه، فإن الحكمة تحرم عليك خدمته. قلت: يا رسول الله. أشهد أنها لم تسلم. قال: يا سلمان، أولا تدري ما حدث بعدك؟ دخل عليها ابن عمها فعرض عليها الإسلام فأسلمت. فانطلق علي، وإذا هي تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها علي، فقالت: انطلق إلى أخي، تعني النبي صلى الله عليه وسلم، فقل له: إن شئت فأعتقه، وإن شئت فهو لك. قال: فكنت أغدو وأروح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعولني خليسة. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: انطلق بنا نكافئ خليسة. فكنت معه خمسة عشرة يوما في حائطها يعلمني وأعينه، حتى غرسنا لها ثلاث مئة فسيلة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه حر الشمس وضع على رأسه مظلة لي من صوف، فعرق فيها مرارا، فما وضعتها بعد على رأسي إعظاما له، وإبقاء على ريحه، وما زلت أخبأها وينجاب منها حتى بقي منها أربع أصابع، فغزوت مرة، فسقطت مني الراوي: سلمان الفارسي المحدث: الذهبي - المصدر: سير أعلام النبلاء - الصفحة أو الرقم: ١/ ٥١٥ خلاصة حكم المحدث: شبه موضوع وأبو معاذ مجهول ? - -- ١٥ - أن جعفرا – وهو ابن أبي طالب -، قال: يا نبي الله ائذن لي أن آتي أرضا أعبد الله فيها لا أخاف أحدا، قال: فأذن له فأتى أرض الحبشة. قال: فحدثنا عمرو بن العاص، أو قال: قال عمرو بن العاص: لما رأيت جعفر وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته، قال: قلت لأستقبلن هذا وأصحابه، قال: فأتيت النجاشي فقلت: إن بأرضك رجلا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك والله إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه القطيعة أبدا أنا ولا أحد أصحابي. قال: اذهب إليه فادعه، قال: قلت إنه لا يجيء معي فأرسل معي رسولا، فأتيته وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم، قال: فقال له أجب، قال: فجئنا إلى الباب فناديت ائذن لعمرو بن العاص، فرفع صوته: ائذن لحزب الله، قال: فسمع صوته، فأذن له قبلي، قال: فوصف لي عمرو السرير، قال وقعد جعفر بين يدي السرير وأصحابه حول الوسائد، قال: قال عمرو: فجئت فلما رأيت مجلسه قعدت بينه وبين السرير فجعلته خلف ظهري، قال: وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي. قال: قال النجاشي: نخر يا عمرو بن العاص، أي: تكلم، قال: فقلت ابن عم هذا بأرضنا، يزعم أن ليس للناس إله إلا إله واحد، وإنك والله لئن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه القطيعة أبدا، أنا ولا أحد من أصحابي. قال: نخر يا حزب الله، نخر، قال: فحمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقال: صدق، هو ابن عمي، وأنا على دينه، قال عمرو: فوالله إني أول ما سمعت التشهد قط إلا يومئذ، قال بيده هكذا، ووضع ابن عدي يده على جبينه، وقال أوه أوه حتى قلت في نفسي العن العبد الحبشي ألا يتكلم، قال: ثم رفع يده، فقال: يا جعفر ما يقول في عيسى؟ قال: يقول هو روح الله وكلمته، قال: فأخذ شيئا تافها من الأرض، قال: ما أخطأ منه مثل هذه، قم يا حزب الله، فأنت آمن بأرضي، من قاتلك قتلته، ومن سبك غرمته. قال: وقال: لولا ملكي وقومي لاتبعتك فقم. وقال لآذنه: انظر هذا، فلا تحجبه عني إلا أن أكون مع أهلي، فإن أبى إلا أن يدخل فأذن له. وقم أنت يا عمرو بن العاص، فوالله ما أبالي ألا تقطع إلي هذه القطعة أبدا، أنت ولا أحد من أصحابك، قال: فلم نعد أن خرجنا من عنده فلم يكن أحد ألقاه خاليا أحب إلي من جعفر، قال: فلقيته ذات يوم في سكة، فنظرت فلم أر خلفه فيها أحدا، ولم أر خلفي أحدا، قال: فأخذت بيده، وقال: قلت: تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: غمز يدي، وقال: هداك الله فاثبت، قال: فأتيت أصحابي فوالله لكأنما شهدوني وإياه، قال: فأخذوني فألقوا على وجهي قطيفة، فجعلوا يغموني بها وجلعت أمارسهم، قال: فأفلت عريانا ما علي قشرة، قال: فأتيت على حبشية فأخذت قناعها من رأسها، قال: وقالت لي بالحبشية: كذا وكذا، فقلت لها، لذا ولدى، قال: فأتيت جعفرا وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم قال: قلت ما هو إلا أن فارقتك، فعلوا بي وفعلوا وذهبوا بكل شيء من الدنيا هولي، وما هذا الذي ترى علي إلا من متاع حبشية. قال: فقال: انطلق، قال: فأتى الباب فنادى: ائذن لحزب الله، قال: فخرج الآذن، فقال: إنه مع أهله، قال: استأذن لي، فأذن له فدخل. قال: إن عمرو بن العاص قد ترك دينه واتبع ديني، قال: قال: كلا، قال: قلت بلى، قال: قال: كلا، قلت بلى، قال: كلا، قلت بلى، قال: فقال لآذنه: اذهب فإن كان كما يقول: فلا يكتبن لك شيئا إلا أخذه، قال: فكتبت كل شيء حتى كتبت المنديل وحتى كتبت القدح، قال: فلو أشاء أن آخذ من أموالهم إلى ما لي فعلت، قال: ثم كتب في الذين جاءوا في سفر المسلمين الراوي: عمرو بن العاص المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم: ٣٤٢/ ١ خلاصة حكم المحدث: [أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح] ١٦ - أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا أتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك – يا أبا بكر – لا يخرج، ولا يخرج، أنت تكسب المعدم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناءهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره، فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، ف قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهي الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلق راحلتين كانتا عند ورق السمر – وهو الخبط – أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك. فقال ابوبكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج. قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاثة، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا – والخريت: الماهر بالهداية – قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، فانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق الساحل. قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا، ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيينا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجار قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، ويسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانطلقوا أيضا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي، أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا – إن شاء الله – المنزل. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر*هذا أبر ربنا وأطهر. ويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة*فارحم الأنصار والمهاجره. فتمثل ببيت رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات الراوي: عائشة المحدث: البغوي - المصدر: شرح السنة - الصفحة أو الرقم: ٧/ ١٠٦ خلاصة حكم المحدث: صحيح ? - -- ١٧ - ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك. وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام. قال ابن شهاب: فأخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك؛ أن عبدالله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي. قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط. إلا في غزوة تبوك. غير أني قد تخلفت في غزوة بدر. ولم يعاتب أحدا تخلف عنه. إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش. حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة. حين تواثقنا على الإسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله! ما جمعت قبلها راحلتين قط. حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد. واستقبل سفرا بعيدا ومفازا. واستقبل عدوا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد، بذلك، الديوان) . قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. فأنا إليها أصعر. فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه. وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض شيئا. وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. ثم لم يقدر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة. إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق. أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال، وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك؟" قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه براده والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله! يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كن أبا خيثمة" ، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري. وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي. فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقة. وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما. وكان، إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين. ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. فطفقوا يعتذرون إليه. ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئت. فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟" قال قلت: يا رسول الله! إني، والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا. ولكني، والله! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله. والله! ما كان لي عذر. والله! ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما هذا، فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك" فقمت. وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه. قال، فاجتنبنا الناس. وقال، تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض. فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة. فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي. وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فوالله! ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله! هل تعلمن أني أحب الله رسوله؟ قال فسكت. فعدت فناشدته. فسكت فعدت فنا شدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال فطفق الناس يشيرون له إلي. حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان. وكنت كاتبا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد. فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء. فتياممت بها التنور فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها. فلا تقربنها. قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه؟ قال "لا. ولكن لا يقربنك" فقالت: إنه، والله! ما به حركة إلى شئ. ووالله! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان. إلى يومه هذا. قال فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا. قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر. قال فخررت ساجدا. وعرفت أن قد جاء فرج. قال فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا. فذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض رجل إلي فرسا. وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل. فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني. فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله! ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، وحوله الناس. فقام طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله! ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله! أم من عند الله؟ فقال "لا. بل من عند الله" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه. كأن وجهه قطعة قمر. قال وكنا نعرف ذلك. قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض مالك. فهو خير لك " قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق. وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال فوالله! ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا. وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجل {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم* وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} [٩ / التوبة / ١١٧ و - ١١٨] حتى بلغ: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [٩ / التوبة / ١١٩] . قال كعب: والله! ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون* يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [٩ / التوبة / ٩٥ و - ٩٦] . قال كعب: كنا خلفنا، أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له. فبايعهم واستغفر لهم. وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله عز وجل وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو. وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وفي رواية: أن عبيدالله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب حين عمى، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه، حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. وساق الحديث. وزاد فيه، على يونس: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها. حتى كانت تلك الغزوة. ولم يذكر، في حديث ابن أخي الزهري، أبا خيثمة ولحوقه بالنبي صلى الله عليه وسلم الراوي: كعب بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: ٢٧٦٩ خلاصة حكم المحدث: صحيح ? - --

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.