إني مقبوض وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله , وأهل بيتي , وإنكم لن تضلوا بعدهما , وأنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما تبتغى الضالة فلا توجد» . قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٣) : «رواه البزار وفيه الحارث وهو ضعيف» . قلت: وسعاد بن سليمان , ضعيف شيعي. الطريق الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حضر الشجرة بخم، ثم خرج آخذا بيد علي رضي الله عنه، قال: «ألستم تشهدون أن الله تبارك وتعالى ربكم؟ «قالوا: بلى قال: «ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم؟، وأن الله تعالى ورسوله أولياؤكم؟ «فقالوا: بلى، قال: «فمن كان الله ورسوله مولاه، فإن هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى سببه بيدي , وسببه بأيديكم، وأهل بيتي» . أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» -كما في المطالب العالية (٣٩٤٣) - قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، عن كثير بن زيد، عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عمر بن علي، عن علي، فذكره. وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٣٦١، ١٥٥٨) قال: حدثنا سليمان بن عبيد الله الغيلاني. والدولابي في «الذرية الطاهرة» (٢٢٩) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٧٦٠) قالا: حدثنا إبراهيم بن مرزوق. وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٢١٣) من طريق أخي كرخويه وهو محمد بن يزيد. ثلاثتهم عن أبي عامر، به. رواية ابن عاصم مختصرة بلفظ: «إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سببه بيد الله وسببه بأيديكم وأهل بيتي» . عند ابن أبي عاصم (١٣٦١) : ليس فيه ذكر: كتاب الله، وأهل البيت. قلت: قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٧/ ٢١٠) : «رواه إسحاق بسند صحيح» . وقال الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» عقب هذا الحديث: «هذا إسناد صحيح» . قلت: وفيه نظر ظاهر, فإن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب القرشى الهاشمى، أبو عبد الله المدنى , مات بعد سنة ١٣٠ هـ , وهو صدوق , لكن روايته عن علي مرسلة , ففي «التهذيب» (٩/ ٣٢١) : «روى عن جده مرسلا , وفي «تاريخ دمشق» (٥٤/ ٤١٣) : «حدث عن أبيه , وعن جده مرسلا» . كذلك كثير بن زيد غايته تحسين حديثه. خ- حديث أبي ذر الغفاري: أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٣٧) عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل حدثه عن حنش قال: رأيت أبا ذر آخذا بحلقة باب الكعبة وهو يقول: يا أيها الناس أنا أبو ذر فمن عرفني ألا وأنا أبو ذر الغفاري لا أحدثكم الا ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: سمعته , وهو يقول: «أيها الناس اني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي، وأحدهما أفضل من الآخر كتاب الله عز وجل، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض , وإن مثلهما كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تركها غرق» . وسنده ظاهر الضعف , بسبب إبهام شيخ أبي إسحاق , وأسقطه بعضهم من السند لكنه غير محفوظ, وذكره الدارقطني في «العلل» (٦/ ٢٣٦ س ١٠٩٨) وسئل عن حديث حنش بن المعتمر، عن أبي ذر، ... فقال: يرويه أبو إسحاق السبيعي، عن حنش، قال ذلك الأعمش، ويونس بن أبي إسحاق، ومفضل بن صالح. وخالفهم إسرائيل، فرواه عن أبي إسحاق، عن رجل، عن حنش. والقول عندي قول إسرائيل. وسيأتي الكلام على طرقه مفصلا تحت حديث سفينة نوح , في قسم الضعيف. د- حديث جابر بن عبد الله: وكان في خطبة يوم عرفة. وقد رواه مسلم ضمن حديث جابر الطويل في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولفظه: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» ، ولم يذكر العترة في هذا الحديث. أخرجه عبد بن حميد (١١٣٥) , ومسلم (١٢١٨/ ١٤٧) , وأبو داود (١٩٠٥) ، وابن ماجه (٣٠٧٤) , والطحاوى في «المشكل» (١/ ١٧/٤١) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني قال حدثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله ... فذكر حديث الحج بطوله , وفيه: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» . قالوا: «نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» . فقال بإصبعه السبابة –يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس–: «اللهم اشهد اللهم اشهد» ثلاث مرات. ورواه زيد بن الحسن الأنماطي , عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال فيه: «أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله , وعترتي أهل بيتي» . أخرجه الترمذي (٣٧٨٦) , والطبراني المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٦٦/٢٦٨٠) عن زيد بن الحسن الأنماطي عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطبن , فسمعته يقول: «فذكره، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب من هذا الوجه، وزيد بن الحسن , قد روى عنه سعيد بن سليمان , وغير واحد من أهل العلم» . قلت: قال أبو حاتم: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات» . وقال الحافظ: «ضعيف» . «تقريب التهذيب» (٢١٢٧) , وكذا الذهبي في «الكاشف» (١٧٣١) . وهو كما قالا، فإن زيد بن الحسن، عدا كونه منكر الحديث، فإنه خالف الثقات في هذا اللفظ. والصواب هو ذكر كتاب الله وحده. وجاءت الوصية بكتاب الله وحده في حديث آخر, وهو التالي: ذ- عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح الخزاعي، قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب، طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به , فإنكم لن تضلوا , ولن تهلكوا بعده أبدا» . أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٠٦) , وفي «مسنده» - كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٦/ ١٠٩) , وعبد بن حميد (٤٨٣) , وابن أبى عاصم فى «الآحاد والمثانى» (٤/ ٢٨٢/ ٢٣٠٢) , وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٢٠١٨) , وابن حبان (١٢٢) , والطبراني في «معجمه الكبير» (٢٢/ ١٨٨ / ٤٩١) , والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٨١) , والبيهقي في «الشعب» (٢٠١٣) كلهم: عن أبي خالد سليمان بن حبان الأحمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، فذكره. وقال البوصيري: «ورواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد » . قال الهيثمى (١/ ١٦٩) : «رجاله رجال الصحيح» . والحديث ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» , (٢/ ٥٤/١٦٥٣) قال: «سمعت أبي -وسئل عن حديث أبي خالد الأحمر- .... ورواه الليث عن سعيد المقبري عن نافع بن جبير قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل» . ونقل عن أبيه , قال: «هذا أشبه قد أفسد الحديثين» . يعني رجح المرسل , فأفسد الموصول , والمرسل عنده ضعيف , فهذا معنى إفساد الحديثين. لكن أخرجه أحمد بن منيع في «مسنده - كما في «المطالب العالية» (١٤/ ٣٩٥) , وقال: حدثنا أبو النضر، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة به. فهذا طريق موصول عن الليث , ولعل الوصل يقوى جانبه. والحديث أورده المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤١) مصححا الحديث حسب شرطه في الكتاب , بإيراده بصيغة الجزم: عن أبي شريح الخزاعي , وقال: «رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد» . فوائد: الفائدة الأولى: تحرير القول في لفظة: «أن العترة لن تفترق عن الكتاب حتى ترد على الحوض» . قلت: وردت هذه العبارة في طرق: ١ - حديث جابر , وفيها راو ضعيف: زيد بن الحسن الأنماطي , وخالف من هو أوثق منه. ٢ - طريق حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم، وحبيب مدلس مشهور لم يبين سماعه من زيد في كل طرق الحديث. ٣ - طريق القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت , والقاسم ضعيف. ٤ - طريق عطية العوفي , عن أبي سعيد , وعطية ضعيف. ٥ - طريق أبى الطفيل عن زيد بن أرقم، وفيه حكيم بن جبير ضعيف. ٦ - طريق أبي الضحى عن زيد بن أرقم , وهي أقوى ما ورد , وطعن فيها ابن تيمية, كما سيأتي نقل كلامه. ويزاد عليه أنه مختصر , ومروي بالمعنى , كذلك ما أشار إليه البزار من كون أبي الضحى , لم يرو غير هذا الحديث عن زيد , ولا يتبين اتصاله. ٧ - حديث أبي ذر. وهو ضعيف. وقد ألمح إلى هذا العقيلي (٢/ ٢٥٠) -بعد أن أورد رواية عبد الله بن داهر الرازي الرافضي, خرج رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر يوم عرفة , وفيها الاعتصام بكتاب الله فقط , ثم قال: «وحديث جعفر بن محمد أولى» . ونلاحظ أن الحديث الذي في صحيح مسلم لم يأمر بالتمسك بالثقلين الكتاب , وأهل البيت، إنما خص التمسك فقط بالكتاب , وأن فيه الهدى , والنور. ثم وصى بأهل البيت. والمراد رعايتهم , وإعطاؤهم حقوقهم , وإكرامهم لمكانتهم من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا مما يشير إلى خطأ بعض الرواة في اللفظ، فظن أن التمسك بالثقلين، فرواه باللفظ الآخر: تركت فيهم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا .. الحديث. ومما يدل على نكارة لفظه: حديث جابر في صحيح مسلم أيضا، حيث لم يذكر به إلا كتاب الله وحده. والحديث ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٩٣) , وقال: «رواه الترمذي , وحسنه , وفيه نظر» . وذكره في «منهاج السنة» (٧/ ٣١٨) , وقال: «والحديث الذي في مسلم –إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قاله– فليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله. وهذا أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع قبل ذلك. وهو لم يأمر باتباع العترة، لكن قال «أذكركم الله في أهل بيتي» . وتذكير الأمة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك من إعطائهم حقوقهم والامتناع من ظلمهم. وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم. فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر يشرع نزل إذ ذاك، لا في حق علي , ولا غيره، لا إمامته , ولا غيرها. وليس هذا من خصائص علي بل هو مساو لجميع أهل البيت: علي , وجعفر , وعقيل , وآل العباس. وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة! فإنهم –من شؤمهم– يعادون العباس وذريته. بل يعادون جمهور أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - , ويعينون الكفار عليهم، كما أعانوا التتار على الخلفاء من بني العباس. فهم يعاونون الكفار , ويعادون أهل البيت. وأما أهل السنة , فيعرفون حقوق أهل البيت , ويحبونهم , ويوالونهم , ويلعنون من ينصب لهم العداوة» . وقال شيخ الإسلام عن هذا الحديث في «منهاج السنة» (٧/ ٣١٨) : «رواه الترمذي وزاد فيه: «وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» . وقد طعن غير واحد من الحفاظ في هذه الزيادة، وقال: إنها ليست من الحديث» . وقال كذلك (٧/ ٣٩٤) : «وأما قوله: «وعترتي أهل بيتي» , و «أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» ، فهذا رواه الترمذي. وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه. وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة» .