لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط. وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ اللّه خلقا فيسكنه فضول الجنة» . رواه البخاري في الصحيح عن آدم. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شيبان، وقد رواه سليمان التيمي عن قتادة، وقالا في الروايتين عنه: «حتى يضع اللّه عليها قدمه» «١» . ورواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار عن قتادة، وقال: في الحديث «رب العالمين» . ورواه شعبة عن قتادة، كما أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، نا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، نا عبيد اللّه، نا حرمي بن عمارة، نا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «يلقي في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليه فتقول قط قط» . رواه البخاري في الصحيح عن عبد اللّه ابن أبي الأسود، عن حرمي بن عمارة «١» . أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، نا أحمد ابن يوسف السلمي، نا عبد الرزاق، أنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوترت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرهم! قال اللّه عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي. ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع اللّه فيها رجله فتقول: قط قط قط. فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم اللّه من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن اللّه عز وجل ينشئ لها خلقا. رواه البخاري في الصحيح عن عبد اللّه بن محمد. ورواه مسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق، ورواه أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال في الحديث: «حتى يضع الرب قدمه فيها» . ورواه عوف عن محمد عن أبي هريرة يرفعه. وقال: «فيضع الرب قدمه عليها» . ورواه الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال في الحديث: «فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض «٢» . أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، نا أحمد بن سلمة، نا محمد بن رافع، نا شبابة بن سوار، حدثني ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكر الحديث بنحو من حديث همام بن منبه إلا أنه قال: «و سقطهم وعجزهم» . وانتهى حديثه عند قوله: «و يزوي بعضها إلى بعض» . رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع، وبمعناه رواه أبو صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير إضافة، فقال: «حتى يضع فيها قدما» «١» . قال أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه: فيشبه أن يكون من ذكر القدم والرجل، أو ترك الإضافة. إنما تركها تهيبا لها وطلبا للسلامة من خطأ التأويل فيها، وكان أبو عبيد وهو أحد أئمة أهل العلم يقول: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني. قال أبو سليمان: ونحن أحرى بأن لا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علما وأقدم زمانا وسنا. ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين منكر لما يروى من نوع هذه الأحاديث رأسا، ومكذب به أصلا. وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث وهم أئمة الدين ونقلة السنن. والواسطة بيننا وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. والطائفة الأخرى مسلمة للرواية فيها ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه. ونحن نرغب عن الأمرين معا، ولا نرضى بواحد منهما مذهبا، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلا يخرج على معاني أصول الدين ومذاهب العلماء، ولا نبطل الرواية فيها أصلا إذا كان طرقها مرضية ونقلتها عدولا. قال أبو سليمان: وذكر القدم هاهنا يحتمل أن يكون المراد به من قدمهم اللّه للنار من أهلها، فيقع بهم استيفاء عدد أهل النار، وكل شيء قدمته فهو قدم، كما قيل لما هدمته. هدم. ولما قبضته: قبض. ومن هذا قوله عز وجل أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ «٢» . أي ما قدموه من الأعمال الصالحة. وقد روى معنى هذا عن الحسن. ويؤيده قوله في الحديث: «و أما الجنة فإن اللّه ينشئ لها خلقا» فاتفق المعنيان أن كل واحدة من الجنة والنار تمد بزيادة عدد يستوفي بها عدة أهلها، فتمتلئ عند ذلك. قال الشيخ أحمد: وفيما كتب إلى أبو نصر من كتاب أبي الحسن بن مهدي الطبري حكاية عن النضر بن شميل أن معنى قوله: «حتى يضع الجبار قدمه» أي من سبق في علمه أنه من أهل النار. قال أبو سليمان: قد تأول بعضهم الرجل على نحو هذا. قال: والمراد به استيفاء عدد الجماعة الذين استوجبوا دخول النار. قال: والعرب تسمي جماعة الجراد رجلا، كما سموا جماعة الظباء سربا، وجماعة النعام خيطا، وجماعة الحمير عانة. قال: وهذا وإن كان اسما خاصا لجماعة الجراد، فقد يستعار لجماعة الناس على سبيل التشبيه. والكلام المستعار والمنقول من موضعه كثير. والأمر فيه عند أهل اللغة مشهور. قال أبو سليمان رحمه اللّه: وفيه وجه آخر، وهو أن هذه الأسماء مثال يراد بها إثبات معان لا حظ لظاهر الأسماء فيها من طريق الحقيقة. وإنما أريد بوضع الرجل عليها نوع من الزجر لها والتسكين من غربها، كما يقول القائل للشيء يريد محوه وإبطاله: جعلته تحت رجلي، ووضعته تحت قدمي. وخطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح فقال: «ألا إن كل دم ومأثرة في الجاهلية فهو تحت قدمي هاتين إلا سقاية الحاج، وسدانة البيت» «١» . يريد محو تلك المآثر وإبطالها، وما أكثر ما تضرب العرب الأمثال في كلامها بأسماء الأعضاء، وهي لا تريد أعيانها، كما تقول في الرجل يسبق منه القول أو الفعل ثم يقدم عليه «قد سقط في يده» ، أي ندم. وكقوله: «رغم أنف الرجل» . إذا ذل، «و علا