فقال: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا، خابوا وخسروا. قيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان عطاءه. لفظ حديث محمد بن جعفر غندر. رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن بشار وغيره «١» . وأخرجه أيضا من حديث سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر. وجميع هذه الأخبار صحيحة. وهذه أقاويل متفرقة يجمع بعضهن إلى بعض. وليس في تنصيصه على الثلاثة نفي غيرهن. ويجوز أن يقول: ثلاثة لا يكلمهم. ثم يقول: وثلاثة آخرون لا يكلمهم. فلا يكون الثاني مخالفا للأول. وفي ذلك دلالة على أنه إذا لم يسمعهم كلامه عقوبة لهم يسمعه أهل رحمته كرامة لهم إذا شاء. وإنما لا يسمع كلامه أهل عقوبته بما يسمعه أهل رحمته. وقد يسمع كلامه في قول بعض أهل العلم أهل عقوبته بما يزيدهم حسرة وعقوبة. قال اللّه عز وجل : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «٢» . إلى سائر ما ورد في معنى هذه الآية في كتاب اللّه عز وجل : إلى أن يقولوا: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ «٣» ، فيجيبهم اللّه عز وجل : اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ «٤» . فبعد ذلك لا يسمع كلامه. وذلك حين وجب عليهم الخلود. أعاذنا اللّه من ذلك بفضله ورحمته. أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو الفضل، الحسن بن يعقوب العدل، وأخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، قال: إن أهل النار لينادون مالكا: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ «١» . قال: فيذرهم أربعين عاما لا يجيبهم، ثم يجيبهم: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «٢» . قال الحسن بن يعقوب في روايته: هانت دعوتهم واللّه على مالك ورب مالك. قالوا: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ* رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ* قالَ اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ «٣» . وفي رواية الأصم: ثم ينادون ربهم فينذرهم مثل الدنيا لا يجيبهم، ثم يجيبهم: اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ. قال: فما نبس القوم بكلمة، ما كان إلا الزفير والشهيق. قال قتادة: شبه أصواتهم بأصوات الحمير، أوله زفير وآخره شهيق. قال الشيخ: هذا موقوف. وظاهره أن اللّه (تعالى) يجيبهم بقوله: اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ. وظاهر الكتاب أيضا يدل على أن اللّه (تعالى) يجيبهم بذلك، وإن كان يحتمل غير ذلك. أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أنا أحمد بن كامل القاضي، أنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، حدثني أبي، عن جدي عطية، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، هذا قول الرحمن عز وجل حين انقطع كلامهم منه. أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو منصور، العباس ابن الفضل النضروي، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: لأهل النار خمس دعوات، يجيبهم اللّه عز وجل في أربعة. فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا. يقولون: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ «١» . فيجيبهم اللّه (تعالى) : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ «٢» . ثم يقولون: رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ «٣» . فيجيبهم اللّه (تعالى) : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٤» . ثم يقولون: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ «٥» . فيجيبهم اللّه (تعالى) : أَ ولَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ «٦» .