إذا تضور من الليل، قال: «لا إله إلا اللّه الواحد القهار، رب السموات والأرض، وما بينهما العزيز الغفار» «٢» . قال الحليمي رحمه اللّه في معنى الواحد: إنه يحتمل وجوها: أحدها: أنه لا قديم سواه، ولا إله سواه. فهو واحد من حيث إنه ليس له شريك، فيجري عليه حكم العدد، وتبطل به وحدانيته. والثاني: أنه واحد بمعنى أن ذاته ذات لا يجوز عليه التكثر بغيره. والإشارة فيه إلى أنه ليس بجوهر، ولا عرض. لأن الجوهر «٣» قد يتكثر بالانضمام إلى جوهر مثله. فيتركب منها جسم. وقد يتكثر بالعرض الذي يحله. والعرض لا قوام له إلا بغير يحله. والقديم فرد لا يجوز عليه حاجة إلى غيره، ولا يتكثر بغيره. وعلى هذا لو قيل: إن معنى الواحد أنه القائم بنفسه، لكان ذلك صحيحا ولرجع المعنى إلى أنه ليس بجوهر ولا عرض. ولأن قيام الجوهر بفاعله ومبقيه. وقيام العرض بجوهر يحله. والثالث: أن معنى الواحد هو القديم. فإذا قلنا: الواحد فإنما هو الذي لا يمكن أن يكون أكثر من واحد هو القديم، لأن القديم متصف في الأصل بالإطلاق السابق للموجودات. ومهما كان قديما، كان كل واحد منها غير سابق بالإطلاق. لأنه إن سبق غير صاحبه، فليس بسابق صاحبه، وهو موجود كوجوده. فيكون إذا قديما من وجه، غير قديم من وجه، ويكون القديم وصفا لهما معا، ولا يكون وصفا لكل واحد منهما. فثبت أن القديم بالإطلاق لا يكون إلا واحدا. فالواحد إذا هو القديم الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا. ومنها الوتر: لأنه إذا لم يكن قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغي لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعبد معه. فيكون المعبود معه شفعا، لكنه واحد وتر. وقد ذكرناه في رواية عبد العزيز بن الحصين. وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر، محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «لله عز وجل تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا. من أحصاها، دخل الجنة. وأنه وتر يحب الوتر» «١» . رواه مسلم في الصحيح، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق «٢» . ومنها: (الكافي) : لأنه إذا لم يكن له في الإلهية شريك، صح أن الكفايات كلها واقعة به وحده، فلا ينبغي أن تكون العبادة إلا له. والرغبة إلا إليه. والرجاء إلا منه. وقد ورد الكتاب بهذا. قال اللّه عز وجل : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ «١» . وذكرناه في خبر الأسامي. وأخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو عبد اللّه، محمد بن عبد اللّه الصفار- إملاء- حدثنا أبو يحيى، أحمد بن عصام بن عبد المجيد الأصفهاني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا، وأوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» . أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر، عن حماد بن سلمة «٢» . ومنها: (العلي) : قال اللّه عز وجل : وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «٣» . وذكرناه في خبر الأسامي. أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا يحيى ابن أبي طالب، أنا أبو عامر العقدي، أنا أبو حفص عمر بن راشد اليهامي، أنا إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستفتح دعاء قط إلا استفتح بسبحان ربي الأعلى الوهاب. ورواه أبو معاوية، عن عمر بن راشد، وزاد فيه: العلي الوهاب. وعمر بن راشد ليس بالقوي. وأخبرنا عمر بن عبد العزيز بن قتادة، أنا العباس بن الفضل بن زكريا النضروي الهروي بها، أنا أحمد بن نجده، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين ابن ميمون- مؤذن مسجد الرملة- حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسرى به، سمع تسبيحا في السموات العلى: سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى قال الحليمي في معنى العلي: إنه الذي ليس فوقه فيما يجب له من معالي الجلال أحد، ولا معه ممن يكون العلو مشتركا بينه وبينه. لكنه العلي بالإطلاق. قال: و (الرفيع) في هذا المعنى. قال اللّه عز وجل رَفِيعُ الدَّرَجاتِ «١» . ومعناه: هو الذي لا أرفع قدرا منه. وهو المستحق لدرجات المدح والثناء. وهي أصنافها وأبوابها، لا مستحق لها غيره. أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي الحسين بن صفوان البرذعي، حدثنا عبد اللّه بن محمد القرشي، حدثنا يوسف بن موسى، قال سمعت جريرا، قال: سمعت رجلا يقول: رأيت ابراهيم الصائغ في النوم- قال: وما عرفته قط- فقلت: بأي شيء نجوت؟ قال: بهذا الدعاء: «اللهم يا عالم الخفيات، رفيع الدرجات، ذا العرش، يلقى الروح على من يشاء من عبادك، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، ذا الطول، لا إله إلا أنت «٢»» . جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الإبداع والاختراع له أولها: (اللّه) : قال اللّه (جل ثناؤه) : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ «١» . أخبرنا أبو عبد اللّه، محمد بن عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو العباس، محمد ابن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا أبو النصر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس رضي اللّه عنه، قال: كنا نهينا أن نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، عن شيء كان يعجبنا: أن يأتيه الرجل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع. فأتاه رجل منهم، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن اللّه أرسلك. قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: اللّه. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: اللّه. قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: اللّه. قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: اللّه. قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع آللّه ارسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا، قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، اللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فلما مضى قال صلى اللّه عليه وسلم: لئن صدق، ليدخلن الجنة.» رواه مسلم في الصحيح، عن عمر. والناقد عن أبي النصر قال البخاري: ورواه موسى بن إسماعيل، وعلي بن عبد الحميد، عن سليمان «١» . قال الحليمي في معنى: «اللّه» إنه الإله. وهذا أكبر الأسماء وأجمعها للمعاني. والأشبه أنه كأسماء الأعلام موضوع غير مشتق. ومعناه القديم التام القدرة. فإنه إذا كان سابقا لعامة الموجودات، كان وجودها به. وإذا كان تام القدرة، أوجد المعدوم وصرف ما يوجده على ما يريده. فاختص لذلك باسم الإله. ولهذا لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم أحد سواه بوجه من الوجوه. قال: ومن قال: الإله هو المستحق للعبادة، فقد رجع قوله إلى أن الإله اذا كان هو القديم التام القدرة، كان كل موجود سواه صنيعا له. والمصنوع إذا علم صانعه، كان حقا عليه أن يستخذي له بالطاعة ويذل له بالعبودية. إلا أن هذا المعنى بتفسير هذا الاسم. قلت: وهذا الاستحقاق لا يوجب على تاركه إثما ولا عقابا ما لم يؤمر به. قال اللّه عز وجل : وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٢» . والمعنى الأول أصحّ قال أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه فيما أخبرت عنه: اختلف الناس، هل هو اسم موضوع أو مشتق؟ فروى فيه عن الخليل روايتان: إحداهما: أنه اسم علم ليس بمشتق، فلا يجوز حذف الألف أو اللام منه، كما يجوز من الرحمن الرحيم. وروي عن سيبويه أنه اسم مشتق، فكان في الأصل إله مثل فعال، فأدخل الألف واللام بدلا من الهمزة. وقال غيره: أصله في الكلام إله. وهو مشتق من: أله الرجل يأله إليه، إذا فزع إليه من أمر نزل به. فآلهه أي أجاره وآمنه. فسمي إلها كما يسمى الرجل إماما إذا أمّ