إن من البيان لسحرا وكان يقال للزبرقان قمر نجد لجماله وكان ممن يدخل مكة متعمما لحسنه وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه بني عوف فأداها في الردة إلى أبي بكر فأقره أبو بكر على الصدقة لما رأى من ثباته على الإسلام وحمله الصدقة إليه حين ارتد الناس وكذلك عمر بن الخطاب قال رجل في الزبرقان من النمر بن قاسط يمدحه وقيل قالها الحطيئة ( تقول خليلتي لما التقينا ** ستدركنا بنو القوم الهجان ) ( سيدركنا بنو القمر بن بدر ** سراج الليل للشمس الحصان ) ( فقلت ادعي وأدعو إن أندى ** لصوت أن ينادي داعيان ) ( فمن يك سائلا عني فإني ** أنا النمري جار الزبرقان ) وكان الزبرقان قد سار إلى عمر بصدقات قومه فلقيه الحطيئة ومعه أهله وأولاده يريده العراق فرارا من السنة وطلبا للعيش فأمره الزبرقان أن يقصد أهله وأعطاه إمارة يكون بها ضيفا له حتى يلحق به ففعل الحطيئة ثم هجاه الحطيئة بقوله ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ) فشكاه الزبرقان إلى عمر فسأل عمر حسان بن ثابت عن قوله أنه هجو فحكم أنه هجو له وضعة فحبسه عمر في مطمورة حتى شفع فيه عبد الرحمن بن عوف والزبير فأطلقه بعد أن أخذ عليه عهد أن لا يهجو أحدا أبدا وتهدده إن فعل والقصة مشهورة وهي أطول من هذه وللزبرقان شعر فمنه قوله ( نحن الملوك فلا حي يقاربنا ** فينا العلاء وفينا تُنصب البيع ) ( ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ** من العبيط إذا لم يؤنس الفزع ) ( وننحر الكوم عبطا في أرومتنا ** للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا ) ( تلك المكارم حزناها مقارعة ** إذا الكرام على أمثالها اقترعوا ) وقال محمد بن إسحاق ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر التميمي أحد بني سعد وعمرو بن الأهتم والحتحات بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم قال ابن إسحاق ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام عطارد بن حاجب فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن نخشى من الإكثار فيما أعطانا وأنا نعرف بذلك أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفي رواية فقال ثابت وأيضا والذي بعث محمدا بالحق وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسمعن أنت وصاحبك في هذا المجلس ما لم ينفذ بمسامعكما مثله قط ثم تكلم ثابت وذكر من عظمة الله وسلطانه وقدرته ما الله أهله ثم ذكر به وألحق فساق الأمر حتى انتهى إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال والذي بعث محمدا بالحق لئن لم تدخل أنت وصاحبك وقومكما في دين الله الذي أكرم به رسوله الله وهدانا له ليطأن بلادكم بالخيل والرجال نصرا لله ولرسوله ولدينه ثم ليقتلن الرجال وليسبين النساء والذرية وليأخذن المال حتى يكون فيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال الأقرع أنت تقول ذاك يا ثابت قال نعم والذي بعث محمدا بالحق ثم سكت قم قالوا يا محمد ايذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فأنشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان أنشدهم فأنشدهم حسان ثم سكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأقرع وعيينة قد سمعنا ما قلتما وسمعتما ما قلنا فخرجا فلما خلوا أخذ أحدهما بيد صاحبه قال الأقرع لعيينة أسمعت ما سمعت ما سكت حتى ظننت أن سقف البيوت سوف يقع علينا فقال عيينة أوجدت ذلك والله لقد تكلم شاعرهم فما سكت حتى أظلم علي البيت وحيل بيني وبين النظر إليك وقال الأقرع إن لهذا الرجل لشأنا ثم دخلا بعد ذلك في الإسلام وكانا من المؤلفة قلوبهم فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرع مائة ناقة وأعطى عيينة مائة ناقة فقال العباس بن مرداس رضي الله عنه فيما أعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فأصبح نهبي ونهب العبيد ** عيينة والأقرع ) ( وقد كنت في القوم ذا تُدرا ** فلم أعط شيئا ولم أمنع ) ( وما كان بدر ولا حابس ** يفوقان مرداس في المجمع ) ( وما كنت دون امرئ منهما ** ومن تضع اليوم لا يرفع ) قال العبيد فرس عباس بن مرادس