لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعة عشر شهرا ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين وكتب معه كتابا فدفعه إليه وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه وفي بعثه ذلك أو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعمرو بن سراقة وعامر بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وواقد بن عبد الله وصفوان بن بيضاء فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه أن امض حتى تبلغ نخلة فلما قرأه قال سمعا وطاعة لله ولرسوله فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإني ماض على ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه ولم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما وكانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عبر لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي قال ابن هشام واسم الحضرمي عبد الله بن عباد ويقال مالك بن عباد أحد الصدف واسم الصدف عمرو بن مالك أحد السكون ابن أشرس بن كندة ويقال كندي قال ابن إسحاق وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه قال ابن إسحاق فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } البقرة ٢١٧ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم { والفتنة أكبر من القتل } البقرة ٢١٧ أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا ) البقرة ٢١٧ أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة تعطى فيها أجر المجاهدين فأنزل الله عز وجل فيهم { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } البقرة ٢١٨ فوضعهم الله عز وجل من ذلك على أعظم الرجاء والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال ابن إسحاق وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن الله عز وجل قسم الفيء حين أحله فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه وخمسا إلى الله ورسوله فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العبر قال ابن هشام وهي أول غنيمة غنمها المسلمون وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون قال ابن إسحاق قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش ويقال بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال قال ابن هشام هي لعبد الله بن جحش ( تعدون قتلا في الحرام عظيمة ** وأعظم منه لو برى الرشد راشد ) ( صدودكم عما يقول محمد ** وكفر به والله راء وشاهد ) ( وإخراجكم من مسجد الله أهله ** لئلا يرى الله في البيت ساجد ) ( فإنا وإن عيرتمونا بقلته ** وأرجف بالإسلام باغ وحاسد ) ( سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ** بنخلة لما أوقد الحرب واقد ) ( دما وابن عبد الله بن عثمان بيننا ** ينازعه غل من القد عابد )