كانت لبني قينقاع سوق في الجاهلية تقوم في السنة مرارا وكانت عند مسجد الذبح إلى الآطام التي خلف النخل فهبط إليها نابغة بني ذبيان يريدها فأدرك الربيع بن أبي حقيق هابطا من قريته يريدها فتسايرا فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة وكانت سوقا عظيمة يتفاخر الناس بها ويتناشدون الأشعار فحاصت ناقة النابغة حين سمعت الصوت فزجرها وأنشأ يقول ( كادت تهد من الأصوات راحلتي ** ) أجز يا ربيع فقال ( والثغر منها إذا ما أوجست خلق ** ) فقال النابغة ( لولا أنهنهها بالسوط لانتزعت ** ) أجز يا ربيع فقال ( مني الزمام وإني راكب لبق ** ) فقال النابغة ( قد ملت الحبس بالآطام واشتعفت ** ) أجز يا ربيع فقال ( تريغ أوطانها لو أنها علق ** ) فقال لا تعجل تهبط السوق وتلقى أهلها فإنك ستسمع شعرا لا تقدم عليه شعرا فقال شعر من قال حسان بن ثابت قال فقدم النابغة السوق فنزل عن راحلته وجثا على ركبتيه واعتمد على يديه وأنشد ( عرفت منازلا بعريقنات ** فأعلى الجزع للحي المبن ) قال حسان فقلت في نفسي هلك الشيخ ركب قافية صعبة قال فوالله مازال يحسن حتى أتى على آخرها ثم نادى ألا رجل ينشد قال فتقدم قيس بن الخطيم بين يديه فأنشد ( أتعرف رسما كاطِّراد المذاهب ** لعمرة وحشا غير موقف راكب ) حتى أتى على آخرها فقال له النابغة أنت أشعر الناس يا ابن أخي قال حسان فدخلني بعض الفرق وأني لأجد على ذلك في نفسي قوة فتقدمت فجلست بين يديه فقال أنشد فوالله إنك لشاعر قبل أن تتكلم فأنشدته ( أسألت رسم الدار أم لم تسأل ** بين الجوابي فالبُضيع فحومل ) فقال حسبك يا ابن أخي وفي اجتماع حسان والنابغة غير حديث منها أن الأصمعي ذكر فيما حدثني عنه من أثق به أنه كان يضرب للنابغة بسوق عكاظ قبة فيجتمع إليه الشعراء فيها فخرج إليه حسان والأعشى وخنساء بنت عمرو بن الشريد فأنشدوه أشعارهم فلما أنشدته خنساء ( وإن صخرا لتأتمُّ الهداة به ** كأنه علم في رأسه نار ) قال يا خنيس والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت إني لم أسمع مثل شعرك وما بها ذات مثانة أشعر منك قالت لا والله ولا ذو خُصيين فغضب حسان فقال والله لأنا أشعر منك ومن أبيك فقال له النابغة يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول ( فإنك كالليل الذي هو مدركي ** وإن خلت أن المُنتأى عنك واسع )