إِذِ الْعُلُومُ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، لاَ يَصِحُّ التَّزَايُدُ وَالاِخْتِلاَفُ فِيهَا. وَأَمَّا مَا لاَ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنَ الأَخْبَارِ، فَيَصِحُّ دُخُولَ التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ فِيهَا، إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا فِي الاِسْتِعْمَالِ لِتَعَارُضِهَا فِي الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا صَحَّ دُخُولُ التَّرْجِيحِ فِيهَا، لاِنَّهَا تَقْتَضِي غَلَبَةَ الظَّنِّ دُونَ الْعِلْمِ وَالْقَطْعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ كَثْرَةِ الأَحْوَالِ وَالأُمُورِ الْمُقَوِّيَةِ لِغَلَبَتِهِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَتَارَةً بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، وَتَارَةً بِعَدَالَتِهِمْ وَشِدَّةِ ضَبْطِهِمْ، وَتَارَةً بِمَا يُعَضِّدُ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكُلُّ خَبَرِ وَاحِدٍ دَلَّ الْعَقْلُ أَوْ نَصَّ الْكِتَابُ أَوِ الثَّابِتُ مِنَ الأَخْبَارِ أَوِ الإِجْمَاعُ أَوِ الأَدِلَّةُ الثَّابِتَةُ الْمَعْلُومَةُ عَلَى صِحَّتِهِ، وُجِدَ خبرا آخَرُ يُعَارِضُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ اطِّرَاحُ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ وَالْعَمَلُ بِالثَّابِتِ الصَّحِيحِ لاَزِمٌ؛ لاِنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعْلُومِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.