في سؤالات أبي داود لهٍ «لا نكاد نجد في حديثهِ شيء» !، ألا والله صدق – رحمه الله – فإن رواية يحيى بن أبي كثير محمولةٌ على الإتصال ولم نجد أحداً مِنْ الشيخين يتحرى سماعه في الصحيح، وإن كان وقع منهُ ذلك فما أقلهُ وما أندره في روايته للحديث كما هو ثابتٌ عندنا، وها هو فضيلة الشيخ حماد الأنصاري في كتابه التدليس والمدلسون (١/ ٢٧٢) : «من صغار التابعين حافظ مشهور كثير الإرسال ويقال لم يصح له سماع من صحابي وصفه النسائي بالتدليس من الثانية» وهذا الحق الذي لا مريةَ فيه أبداً وهو أن الإمام يحيى بن أبي كثير ليس مِنْ المكثرين مِنْ التدليس لسعة ما روى!. ثُم ان الشهرة بالشيء لا تقتضي الإكثار منهُ، سوى اللفظة التي نقلت عن الإمام النسائي رحمه الله في تدليس الإمام الثبت يحيى بن أبي كثير ولا يبعد حالهُ عَنْ حال قتادة الذي سبق وأن أثبتنا أن لا يمكن أن يكون تدليسه بذاك التدليس القبيح، والذي ترجح لدي بعد النظر أن الإمام يحيى بن أبي كثير نادرُ التدليس بل لا يمكن أن يكون تدليسه في أحاديث تعد على الأصابع، وهو وإن كان وصفه النسائي – رحمه الله – به فمعناهُ أن المُراد هُنا بقوله مدلسٌ هو عين الإرسال الخفي المُتعارف عليه عند الحافظ ابن حجر ومَنْ أتى مِنْ بعدهِ، ولايلزم مِنْ الشهرة بالشيء الإكثار منه كذلك المعرفة بهِ، وقد سبق وأن بينا أنهم قد يريدون بذلك التدليس الذي يوهم بالسماع، والإرسال الخفي وهو أن يحدث عمَّن لم يثبت له السماع واللقاء منه مالم يسمعهُ وكلا التعريفين مُختلفين تماما، فالاكثار مِن الشيء أخص مِنْ الاشتهار ومَنْ سبر روايته وعرفها حق المعرفة خصوصاً فيمن اتهم بالتدليس عنه وهو الصحابي الجليل أنس بن مالك – رضي الله عنه – لما وجدها واقعةً أصلاً! كونه لم يثبت له اللقاء و أن أحاديثه عَنْ أنس بواسطة في الصحيح وغيرهِ عند أهل العلم في كُتبهم ومصنفاتهم. أما ما حدث عنهُ وكان قد عاصره أي الإمام يحيى بن أبي كثير فيدخل في الإرسال الخفي عند الحافظ ابن حجر، ويدخل بالجُملة في المُنقطع عند السلف الصالحِ وهو ما يندرج تحته أصلا الإرسال الخفي!، وقد حدث عَنْ أنس بن مالك ولم يثبت أنه سمع منهُ فكيف يكون قد دلس على أنس بن مالك رغم أنه قد عاصره ولم يثبت له لقاءٌ به رغم أنه رآه. وهبَّ أنه قد دلس! فكيف للشيخين ومَنْ هو على طريقتهم في تحري سماعات المدلسين أن يخرج أحاديث يحيى بن أبي كثير في الصحيح معنعناً! وقد عرفنا أن الشيخين يتحرون سماع مَنْ عرف بالتدليس ومالي لا أرى الشيخين يتحرون رواية يحيى بن أبي كثير وأكثروا مِنْ الرواية عنه في الصحيح وقد ثبت أنه حدث بـ ١٣٦ حديثٍ وقد عنعن فيه عند الشيخين، وهو على الأرجح عندنا بريءٌ مِنْ وصمة التدليس الذي لا يقبل منه إلا ما صرح به بالسماع بل هو ممن عرف أنه في الطبقة الثانية وهذا أعدل الأقوال فيه – رحمه الله – وأن تدليسه الموصوف بهِ كما أشرنا مِنْ قبل النسائي رحمه الله هو الإرسال الخفي لأنه قد يطلق به هذا اللفظ ويريد به الإرسال الخفي ولذلك فإن ما يظهر لنا بعد النظر الطويل في مروياته أن تدليسه قليلٌ جداً في جنب ما روى واحتمله الأئمة مِنْ حديثهِ، وحسبك بما قاله الإمام أحمد بن حنبل: ما وجدنا في حديثه شيئاً! فكيف لا يكون فيه إلا ما صرح بالسماع!. - دِراسةُ أقوال الأئمةِ الذين قَالوا بتَدليس يَحيى بن أبي كثير. وفي هذا الباب سنقوم أنا وأنت بإلقاء الضوء على أقوال الأئمة الذين وصموهُ بالتدليس وليعرف القارئ أنا ما تكلمنا فيها إلا مَنْ إطالةٍ طَويلةٍ في النظر جداً في أقوالهم – رضي الله تعالى عنهم – وتحرينا أقوالهم وهذا الذي أنا في صدد الكلام فيه لستُ ألزمُ فيه بشراً ولا أقول أني أتيتُ بالحق كاملاً وإنما أنا أقول ما ظهر لنا مِنْ النظر في مرويات الإمام يحيى بن أبي كثير – رحمه الله – وحريٌ بك أن تتحرى الكلام في تدليسه لا أن تأتي لنا وتقول أن لا يقبل منه السماع مُعتمداً بذلك على ظاهر أقوال الأئمة – رحمهم الله – وأنت تعلم أن الإصطلاحات التي يطلقونها لا مشاحة فيها عندهم وأنهم يجوزونها! فكما مثلت لك سابقاً أنهم قد يطلقون التدليس ويريدون به الإرسال الخفي، فحسبك بأن تحقق الأقوال وتنظر فيها واعلم أيها المُحدث الكريم أن لا يمكن أن نقول أن كُل مَنْ أتى فيه وصف التدليس مِنْ عند الأئمة أن نعتمد تماما على هذا القول فنقول لا يقبل منه إلا ما صرح به وهذا خطأ مُطلق إذ أن لا يمكن أن نرد عنعنة كل مَنْ عرف بمجرد التدليس! بل يجب التحقق والتأكد مِنْ القرائن التي تُحيط برواية هذا الراوي وأقوال الأئمة – رحمهم الله – وأنا وأنت الآن أمام مدراسة أقوالهم والنظر فيها وتحقيقها علنا نصل لمرادهم في هذا الشأن. - قد وصفه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: «كان يرسل ويدلس» . ومما يجب الإشارة لهُ أنه قد جعله في الطبقة الثالثة مِنْ المدلسين النكت على مقدمة ابن الصلاح (٢/ ٦٤٣) ثُم أوردهُ في الطبقة الثانية مِنْ المدلسين في كتابه تعريف أهل التقديس بالموصوفين بالتدليس (ص ٦٣) والصحيحُ قولهُ في المرتبة الثانية وقد ذكرنا أنهُ بريءٌ مِنْ وصمة التدليس الذي يوجب أن يصرح بالسماع فيما حدث بهِ وهذا أرجحُ عندنا. - قال ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٩١) : «وَكَانَ يُدَلس فَكلما روى عَنْ أنس فقد دلّس عَنْهُ وَلم يسمع من أنس وَلَا من صَحَابِيّ شَيْئا» . مشاهر علماء الأمصار (١/ ٣٠٤) : «لا يصح له عن أنس بن مالك ولا غيره من الصحابة سماع وتلك كلها أخبار مدلسة» . انظر إلي قول الإمام ابن حبان – رحمه الله – وهذا يثبت لنا ما ذهبنا إليه وأن مراده هُنا بتدليسه إنما هو الإرسال الخفي لأنه قد ثبت أن يحيى بن أبي كثير قد رآى الصحابي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهُ فيقول ابن أبي حاتم في مراسيله (١/ ٢٤٠) : «أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ قَالَ قَدْ رَآهُ قَالَ رَأَيْتُ أَنَسًا وَلَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْهُ أَمْ لَا» . وها هو ينقل عن أبي زُرعة في الباب ذاته: «قِيلَ لِأَبِي زُرْعَةَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ قَالَ هُوَ مُتَّصِلٌ قَالَ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى قَالَ بَلَغَنِي عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ رَأَى يَحْيَى أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعْ ِمْنُه .. سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ جَمَاعَةٌ بِالْبَصْرَةَ قَدْ رَأَوْا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ» . وهذا كما ترى أيها القارئ الكريم يثبت لنا أنه لم يثبت سماعه مِنْ الصحابي الجليل أنس بن مالك إلا أنه قد ثبت لقياهُ لهُ ورآهُ، والعلائي في جامع التحصيل (ت ٨٨٠) : «قال أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحدا من الصحابة إلا أنس بن مالك فإنه رآه رؤية ولم يسمع منه وهذا لفظ أبي حاتم» فيثبت لنا أنه لم يصح لهُ سماعٌ لهُ بل صح لهُ إدراكٌ لأنس بن مالك – رضي الله عنه – وهذا يثبت لنا أنه قد حدث عنهُ وبينه وبين أنس واسطةٌ وهذا إن دل فعلى الإرسال الخفي! على قول الحافظ ابن حجر العسقلاني والإنقطاع كما هو معروفٌ عند السلف مِنْ ائمة الحديث وأهله فإن لم يثبت لهُ سماعٌ مِنْهُ وقد أدركهُ يترجح لديك أخي القارئ أن لم يدلس عن انس بن مالك – رضي الله عنه – بل لا يسمى ذلك بل يسمى إرسالا خفياً لأنه قد عاصره ولم يثبت له السماع!. وسيأتيك تحقيق روايات الإمام عن أنس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال ابن أبي حاتم في المراسيل (١/ ٢٤٤) : «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَسًا فَإِنَّهُ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ» فيكون قول ابن حبان هُنا إشارةً على أن روايته هُنا ليست في مقام التدليس بل في مقام الإرسال. والله أعلم. - قال المزي في التهذيب (٣١/ ٥٠٤) عن العقيلي: «كان يذكر بالتدليس» . تأمل جيداً معي قولهُ «يذكر» وهذا إن دل على شيءٍ فلا يدل على الجزم مِنْ قبل العقيلي بتدليس الإمام يحيى بن أبي كثير إنما هو بصيغة التمريض ولعلهُ يرجع قوله إلي ما قاله الإمام النسائي في هذا الشأن وهو أن أول مَنْ ذكرهُ بذلك هو الإمام النسائي، ورغم بحثي الحثيث عَنْ أن يكون هناك من ذكره بالتدليس مِنْ قبل الإمام النسائي! فلم أجد!! وقد بينا المراد مِنْ قوله في الباب الثاني أعلاه، فالذكر بالشيءِ لا يعني الإكثار منهُ او ثبتوته مُطلقاً عليه! بل يكون هذا بصيغة التمريض وعدم الجزم بحدوثهِ مِنْهُ. كذلك وصفهُ به العلائي والعراقي والسيوطي وابن العجمي! وكُلهم لم يثبت عنهم أن جزموا بتدليس يحيى بن أبي كثير – رحمه الله – بل قالوا أنه يذكر بالتدليس! ويردون قولهم إلي ما نقلوه عن الإمام النسائي فيكون المرجع الأول في هذا الشأن هو الإمام النسائي – رحمه الله – وبه فإن صاحبنا لا يعدوا أن يكون في الطبقة الثانية مِنْ المدلسين! وهو ممن احتمل حديثه لإمامته وسعة ما يروي، وتدليسهُ هُنا مِنْ قبيل المرسل الخفي وإليك شيئاً مِنْ ما نقله الإمام ابن أبي حاتم عَنْ أبيه في كتابه المراسيل لتعرف الصواب بها. - قال الإمام ابن أبي حاتم في المراسيل (١/ ٢٤٠) : «حَدَّثَنَا عِلُّي بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ نَا أَبِي عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَجَّهَ إِلَيَّ مَطَرٌ أَنِ احْمِلِ الدَوَاةَ وَالْقِرْطَاسَ وَتَعَالَ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْرَجَ إِلَيْنَا صَحِيفَةَ أَبِي سَلَامٍ فَقُلْنَا لَهُ سَمِعْتَ مِنْ أَبِي سَلَامٍ قَالَ لَا قُلْتُ فَمِنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَامٍ قَالَ لَا» . هذا وقد وقعت لهُ المعاصرة مع أبي سلام فقد توفي أبي سلام في نيف ومائة! ويحتمل أن يكون أدركهُ ورآه الإمام يحيى بن أبي كثير لأن يحيى قد توفي سنة تسع وعشرين ومائة، فيحتمل أن يكون قد عاصرهُ وكتبه عنده! فما رواه عنه مِنْ قبيل المرسل لا مِنْ قبيل المدلس ولا نعلمهُ وصف بمثل هذا الوصف إلا مِنْ عند النسائي وانفرد بهِ وأعني بانفرد به أنه أول مَنْ قال بمثل هذا القول ولم يكن قبله أحدٌ قد وصفه بمثل هذا الوصف. والله أعلم. وهذا يثبت أن روايته عن أنس مرسلةً! وقد ثبت أن رآهُ فينتفي لديك أن يكون قد دلسها عَنْ أنس فيقول (١/ ٢٤٤) : «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَسًا فَإِنَّهُ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ» . وها هو يقول في عبد الرحمن بن هرمز الأعرج في مراسيله (١/ ٢٤٢) : «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ هَلْ سَمِعَ مِنْهُ قَالَ لَا أرَاهُ سَمِعَ مِنْهُ» . هذا وقد مات – رحمه الله – سنة سبع عشر ومائة، ومات يحيى بن أبي كثير – رحمه الله – سنة تسع وعشرين ومائة! أي أنهُ قد أدركهُ وكان وعاصره إلا أن الإمام هُنا لم يثبت لهُ سماعٌ منهُ فإن وقعت روايته عنهُ فهذا مِنْ قبيل المرسل الخفي لا مِنْ قبيل التدليس. ويقول ابن أبي حاتم (١/ ٢٤٢) : «قُلْتُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَسَمِعَ مِنْهُ قَالَ لَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ» وها أنت تعلم أن الواقدي وابو مسهر قال أنه توفي سنة إحدى وتسعين ويحتمل أن يكون الإمام يحيى بن أبي كثير قد أدركه وعاصرهُ!. وقال ابن أبي حاتم (١/ ٢٤٢) : «قُلْتُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَسَمِعَ مِنْهُ قَالَ لَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قُلْتُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ نَوْفٍ أَسَمِعَ مِنْهُ قَالَ لَا لْم يَسْمَعْ مَنْهُ» أهـ. فانظر كيف نفى السماع مِنْهم وقد وقعت ليحيى بن أبي كثير مُعاصرةً لهم – رضي الله عنهم – وأدرك جُلهم! فلا يكونُ الذي وقع فيه مِنْ قبيل التدليس عنهم إنما نقول أنه قد أرسل عنهم ومرسله هُنا عمن أدركهم مرسلٌ خفي. والله أعلم. - وهاك في مسألة ما تُكلم في سماعه مِنْهُمْ وثبت أنه قد سمع وهم زيد بن سلام وأبي قلابة الجرمي – رضي الله عنهم – فقد تكلم في سماعه مِنْهُمْ. قال ابن أبي حاتم في المراسيل (١/ ٢٤١) : «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ شَيْئًا قَالَ أَبِي وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ» . فعلق الإمام حياة الإمام الألباني (ص ١٢٥) : «وهذا استدلال دقيق من الإمام أحمد رحمه الله على تنزيه يحيى مما رماه به بعضهم من عدم سماعه من زيد بن سلام مع تصريحه بالتحديث عنه , يشير الإمام أحمد إلى أنه لو كان كما زعم (الناس) لقال: "حدث زيد بن سلام كما قال في رواية عن أبي سلام – وهو جد زيد –" حدث أبو سلام» . ونتابع أنا وأنت ما قاله الأئمة فهاك الذهبي ينقل عَنْ العقيلي أنه يذكر بالتدليس وقد تقدم مِنْا الكلام على أن هذا تبعاً لما كان عليه النسائي – رحمه الله – وهذا ليس بالجزم لا مِنْ الحافظ الذهبي كما في الميزان، ولا من العقيلي ولا العلائي ولا الحافظ ابن حجر وإن كان الحافظ قد أورده مرة في الثالثة ومرة في الثانية وهي الأرجح عندنا، وقد تقدم بيانُ روايته عن أنس بن مالك رضي الله عنه فلا يكون فيها تدليساً بل مرسلةً لأنه لم يثبت له سماعٌ مِنْ انس بن مالك بل حدث عنهُ بواسطةٍ أو واسطتين! فلا يصح إطلاق التدليس عليها. وفي قصة حسين المعلم: «قلنا ليحيى بن أبى كثير: هذه المرسلات عمن هي؟ قال: أترى رجلا أخذ مدادا وصحيفة فكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب! قال: قلت: فإذا جاء مثل هذا فأخبرنا؟ قال: إذا قلت بلغني فهو من الكتاب» . وهذه القصة لا تثبت تدليس يحيى بن أبي كثير بل هي دليلٌ على انتفاء التدليس عنه – رحمه الله – وتأمل قوله (هذه المرسلات عمن هي) ومقصدهُ هُنا أن حسين المعلم ومن معه كانوا يعرفون أنها مرسلات لا تدليساً!، وأما فيما يتعلق في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام قد نفاها الإمام يحيى بن معين، واثبتها الإمام أحمد وابي حاتم! وكلاهما مقدمٌ على النافي لأن معهما زيادةَ علمٍ! والجمعُ في هذا الشأن مقدمٌ على ما انفرد بهِ واحدٌ مِنْ الأئمةِ وعلى إمامته فإنا نثبت سماعه مِنْ زيد بن سلام – رحمهم الله -. والله أعلم. وذكر العلائي في الجامع انكار أحمد نفيهم لسماع يحيى مِنْ أبي قلابة فقال ابن أبي حاتم في مراسيله (١/ ٢٤٠) : «قَالَ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ سَمِعَ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ فَقَالَ لَا أَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ أَوْ نَحْوَ هَذَا قُلْتُ زَعَمُوا أَنَّ كُتُبَ أَبِي قِلَابَةَ وَقَعَتْ إِلَيْهِ قَالَ لَا» وقال العلائي (١/ ٢٩٩) : «وذكر بعضهم إنه لم يسمع من أبي قلابة وأنكر هذا أحمد بن حنبل وقال بأي شيء يدفع سماعه فقيل له زعموا أن كتب أبي قلابة وقعت إليه قال لا والله أعلم» وبهذا يدفع أن يكون الإمام يحيى بن أبي كثير لم يثبت سماعه مِنْ أبي قلابة الجرمي بل هو ثابتٌ كما أثبته له الإمام أحمد بن حنبل. فكما ترى فإن أكثر ما أورده له العلائي والعراقي وابن ابي حاتم في كُتبهم عبارة عن مراسيل ولم يحكي أحدٌ منهم أنه قد دلس في سماعه ممن أرسل عنهم، وقد أثبت سماعه مِنْ زيد بن سلام الإمام الألباني فيقول سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ١٥٨) : «ثم إن فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير؛ لكن قد تبين في تخريج الحديث الذي قبله أنه سمعه من زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد» وقد أعل الإمام الألباني أحاديثاً ليحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام بتدليسه وقد