إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْقَلَمُ ثُمَّ قال: اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ * الحديث رواه أحمد بهذا الإسناد وفيه معاوية بن صالح بن حدير وهو صدوق وله أوهام وعند أحمد أيضا بإسناد فيه ابن لهيعة وهو صدوق اختلط بعد احتراق كتبه وكثير من أهل العلم يضعفه ورواه الترمذي في موضعين الموضع الأول في كتاب القدر والثاني في كتاب التفسير وفي الموضعين فيه عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف ورواه أبو داود في كتاب السنة وفيه أبو حفصة واسمه حبيش بن شريح وهو مقبول ولكنه توبع فالحديث حسن بمجموع طرقه والله أعلم فكان مقدراً أن آدم سيخلق في موعد محدد فأخبر الله الملائكة بذلك فقال: لهم {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} وكلمة خليفة معناها خليقة أي مخلوق لم يكن في الوجود الفعلي من ق بل ولكنه مقدر من قبل فقالت الملائكة {وهذا موضع الشاهد} {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} لم يكن هذا اعتراض من الملائكة ولكن هذا على سبيل الاستفسار فلو كان آدم خليفة كيف يفسد فيها وهو مخلوق وحيد والإفساد في الأرض يحتاج إلى جماعة أو طرفين على الأقل فلربما يقول قائل إن الإنسان وحده يستطيع أن يفسد في الأرض بإفساد ما فيها من المخلوقات الأخرى نقول له قول الملائكة ويسفك الدماء يبين المعنى ويوضحه تماما وسفك الدماء لا بد فيه من طرفين بلا جدال فلو كان المقصود بالخليفة أنه يخلف الله (وهذا محال) لما قالت الملائكة ويسفك الدماء وهذا يدل على أن الملائكة قد فهمت المسألة فهما صحيحا فعلموا أن معنى كلمة خليفة أي خليقة له ذرية يخلف بعضها بعضا وبمعنى آخر أوضح خليفة يعني خليفة يخلفه غيره إذا مات أو غاب فجعل بني آدم خلفاء بعضهم لبعض ويتبين هذا في قوله تعالى {وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} وأيضا قوله تعالى {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} أي تخلف من قبلك ويخلفك من بعدك فالله تعالى لا يخلفه أحد ولكنه يخلف كل أحد. وقد روى الإمام النسائي في سننه فقال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قال: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ فَقُلْتُ مَنْ هُوَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ قال: لِمَ؟ قُلْتُ لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ قال: أَفَكُنْتَ فَاعِلًا قُلْتُ نَعَمْ قال: فَوَاللَّهِ لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِيَ الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ ثُمَّ قال: مَا كَانَ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - * فيه عنعنة الأعمش وهو مدلس ولكنه ورد عند أحمد بإسناد حسن من أجل محمد بن جعفر قالوا عنه ثقة صحيح الكتاب إلا أنه فيه غفلة حيث قال: الإمام أحمد رحمه الله حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة – وهو ابن الحجاج – عن توبة العنبري –وهو توبة بن أبي الأسد كيسان- قال: سمعت أبا سوار القاضي – وهو عبد الله بن قدامة بن عنزة العنبري عن أبي برزة الأسلمى ِ قال: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: فَقال: أَبُو بَرْزَةَ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ قال: فَانْتَهَرَهُ وَقال: مَا هِيَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - * وقد رواه النسائي أيضا من طرق غير طريق الأعمش حيث قال: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشْعَرِيُّ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قال: غَضِبَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ قُلْتُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ فَكَأَنَّمَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ بَارِدٌ فَذَهَبَ غَضَبُهُ عَنِ الرَّجُلِ قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَبُو نَصْرٍ وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ خَالَفَهُ شُعْبَةُ* ولو كان جائزا أن يقال: خليفة الله لكان الأولى أن يقولها الرجل لأبي بكر رضي الله عنه وهم أولى منا معرفة باللغة والمعاني وما من خير إلا وسبقونا إليه وقد شهد الله لهم بالرضا فقال: {رَضْيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ومع ذلك نذكر من كلام أبي بكر رضي الله عنه ما يدل على بطلان القول بأن الإنسان خليفة الله في الأرض وذلك فيما رواه الإمام أحمد فقال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قال: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ فَقال: أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا رَاضٍ بِهِ وَأَنَا رَاضٍ بِهِ وَأَنَا رَاضٍ وفيه انقطاع بين ابن أبي مليكة وأبي بكر رضي الله عنه لأن ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ولكن البخاري قد روى لنا عن أبي بكر ما يظهر هذا المعنى فقال: البخاري رحمه الله تعالى حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: لِوَفْدِ بُزَاخَةَ تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ *فلو كان جائزا لقال: أبو بكر رضي الله عنه حتى يري الله خليفته ولكنه قال: خليفة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء حديث قصة مقتل عمر بن الخطاب ووصيته لولده أن يستأذن من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الدفن بجوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر ليبين لنا معنى الاستخلاف فقال: البخاري رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِالْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قال: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قالت كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قال: لَهُ مَا لَدَيْكَ قال: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قال: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقال: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقال: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا (الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ * والشاهد من الحديث أن عمر رضي الله عنه قال: فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة أي أن الذي سيخلف عمر يخلفه لأن عمر قد غاب وأيضا هذا الشاب الذي دخل على عمر رضي الله عنه وقال: [أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ] فكلمة استخلفت تدل على أنه قد خلف من قبله لما غاب وهذا المعنى هو المعنى الحتمي واللازم من هذه النصوص وهذا نص آخر من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر فيه كلمة خليفة حيث قال: البخاري رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ * فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ما استخلف خليفة يفهم منه أن الاستخلاف من البشر بعضهم لبعض وقد قال: البخاري رحمه الله تحت عنوان بَاب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ وَقال: الْحَسَنُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ثُمَّ قَرَأَ {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} وَقَرَأَ {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} اسْتُوْدِعُوا {مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} وَقَرَأَ {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ وَقال: مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قال: لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ أَنْ يَكُونَ فَهِمًا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عَالِمًا سَئُولًا عَنِ الْعِلْمِ * ليبين لنا أن اتباع الهوى في كل شيء يؤدي إلى الهاوية والضلال ولعل هذه المقولة التي قلناها آنفا وهي (من اتبع الهوى فقد هوى ومن اتبع الهدى فقد اهتدى) تنطبق على هذه المسألة وحتى نغلق الباب أمام الشبه التي قد ترد على أذهان البعض من نصوص في السنة وفيها التصريح بهذا اللفظ خليفة الله أو لله خليفة فإننا نورد النصوص ونحققها من حيث الصناعة الحديثية أولا فإن الحكم لا يثبت إلا إذا ثبت دليله والأحاديث التي وردت فيها هذه الكلمات ضعيفة وإليك البيان الحديث الأول روى أبو داود في سننه في كتاب السنة قال: حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قال: جَمَّعْتُ مَعَ الْحَجَّاجِ فَخَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَيَّاشٍ قال: فِيهَا فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ وَصَفِيِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ قال: وَلَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْحَمْرَاءِ * ضعيف الحديث انفرد به أبو داود ولم يروه غيره وفي إسناده شريك بن عبد الله بن شريك وهو القاضى وهو صدوق سيء الحفظ جدا والحجاج وهو ابن يوسف بن أبي عقيل الثقفي وهو ليس أهلا لأن يروى عنه وقطن بن نسير صدوق كثير الخطأ الحديث الثاني روى ابن ماجة في سننه في كتاب الفتن فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قال: ا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ قال: قال: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ فَقال: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ * ضعيف وعلته أبو قلابة وهو عبد الله بن زيد الجرمي ذكر الذهبي في ميزانه أنه كان يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم وكان له صحف يحدث منها ويدلس ووهم أبو حاتم فقال: لم يسمع من أبى زيد عمرو بن أخطب، ولا يعرف له تدليس وهذا وهم منه. وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن ثوبان رضي الله عنه فقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَوْبَانَ قال: قال: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ جَاءَتْ مِنْ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ * وهو ضعيف وعلته علي بن زيد وهو المعروف بعلى بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده. اهـ. الحديث الثالث روى الإمام أحمد في مسنده فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قال: سَمِعْتُ صَخْرًا يُحَدِّثُ عَنْ سُبَيْعٍ قال: أَرْسَلُونِي مِنْ مَاءٍ إِلَى الْكُوفَةِ أَشْتَرِي الدَّوَابَّ فَأَتَيْنَا الْكُنَاسَةَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ جَمْعٌ قال: فَأَمَّا صَاحِبِي فَانْطَلَقَ إِلَى الدَّوَابِّ وَأَمَّا أَنَا فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ حُذَيْفَةُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْخَيْرِ وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ قال: نَعَمْ قُلْتُ فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْهُ قال: السَّيْفُ أَحْسَبُ أَبُو التَّيَّاحِ يَقُولُ السَّيْفُ أَحْسَبُ قال: قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قال: ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ قال: قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قال: ثُمَّ تَكُونُ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ قال: فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَالْزَمْهُ وَإِنْ نَهَكَ جِسْمَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَاهْرَبْ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ قال: قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قال: ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ قال: قُلْتُ فِيمَ يَجِيءُ بِهِ مَعَهُ قال: بِنَهَرٍ أَوْ قال: مَاءٍ وَنَارٍ فَمَنْ دَخَلَ نَهْرَهُ حُطَّ أَجْرُهُ وَوَجَبَ وِزْرُهُ وَمَنْ دَخَلَ نَارَهُ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ قال: قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا قال: لَوْ أَنْتَجْتَ فَرَسًا لَمْ تَرْكَبْ فَلُوَّهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ قال: شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ فِي إِسْنَادٍ لَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ قال: قُلُوبٌ لَا تَعُودُ عَلَى مَا كَانَتْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ بَدْرٍ الْعِجْلِيُّ عَنْ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ الضُّبَعِيِّ فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ وَقال: وَحُطَّ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ قال: وَإِنْ نَهَكَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ صَخْرٍ عَنْ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ الضُّبَعِيِّ فَذَكَرَهُ وَقال: وَإِنْ نَهَكَ ظَهْرَكَ وَأَكَلَ مَالَكَ وَقال: وَحُطَّ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ * حديث ضعيف والحديث رواه أيضا أبو داود وأحمد في موضع آخر ومدار الحديث على سبيع بن خالد، ويقال: خالد ابن سبيع، ويقال: خالد بن خالد (ويقال: غير ذلك) اليشكري البصري لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي وهما يوثقان المجاهيل وقال: ابن حجر فيه مقبول وبعد أن بينت لك علل الأحاديث التي جاءت فيها كلمة خليفة الله أو لله خليفة وأن هذه العبارة ليست من العقيدة الصحيحة في شيء بل فيها وصف لا يليق بالله عز وجل أود أن أنقل لك من كلام أهل العلم ما يعضد ذلك الفهم الذي فهمته ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة الجزء الأول ص ١٢١،١٢٠. وذلك في تحقيقه لحديث {يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة} الذي أخرجه ابن ماجة فقال: الشيخ رحمه الله وهذه الزيادة [خليفة الله] ليس لها طريق ثابت ولا ما يصلح أن يكون شاهدا لها فهي منكرة كما يفيده كلام الذهبي ومن نكارتها أنه لا يجوز في الشرع أن يقال: فلان خليفة الله لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: في الفتاوي [٢/ ٤٦١] [وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي أن الخليفة هو الخليفة عن الله مثل نائب الله والله تعالى لا يجوز له خليفة ولهذا قالوا لأبي بكر يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله ولكن خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسبي ذلك بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -[اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا] وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ عن العالمين ليس له شريك ولا ظهير ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة ويكون لحاجة المستخلف وسمي خليفة لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى وهو منزه عنها فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب ولا يجوز أن يكون أحد خلفا منه ولا يقوم مقامه إنه لا سمي له ولا كفء له فمن جعل له خليفة فهو مشرك به. انتهى بل قال: ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لقول الله تعالى {وَإِذْ قال: رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل كما قال: تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ} وقال: {وَيَجُعَلكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} وقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَلاَئِكَة فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} وقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِم خَلْفٌ} وقرئ في الشاذ {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} حكاها الزمخشري وغيره ونقل القرطبي عن زيد بن علي وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط كما يقوله طائفة من المفسرين وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل وفي ذلك نظر بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسيره وغيره والظاهر أنه لم يرد آدم عيناً إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} البقرة فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم قال: ه القرطبي أو أنهم قاسوهم على من سبق كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك، وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا لوجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه وههنا لما أعلمهم أنه سيخلق في الأرض خلقاً قال: قتادة وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الآية وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك كما سيأتي، أي ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال: الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيها الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء الأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال: عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِذَا عَرَجَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، قال: اللَّهُ عز وجل لَهُمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَجِئْنَاكَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَإِذَا عَرَجَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، قال: اللَّهُ عز وجل لَهُمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ قالوا: جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ عِبَادٍك، أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَجِئْنَاكَ وَهُمْ يُصَلُّونَ" ونحن نعلم يقينا من خلال كلام نبينا أن عمل الليل يرفع إلى الله قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ودليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه فقال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قال حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقال: " إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ، مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ: وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ خَلْقِهِ، وَقال:" حِجَابُهُ النُّورُ " فقول الملائكة أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقيل معنى قوله جواباً لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به وقيل بل تضمن قولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة طلباَ منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم فقال: الله تعالى لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة والله أعلم. هذا كلام ابن كثير في المسألة والشاهد منه قوله أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل. قال: السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة إن الله تعالى قال: للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة قالوا ربنا وما يكون ذاك الخليفة قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. انتهى وقال: ابن جرير الطبري تعليقاً على تفسير السدي لهذه الآية معترضاً عليه فقال: فكان تأويل الآية على هذا إني جاعل في الأرض خليفةً مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي وأن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفاء. ثم قال: ابن جرير وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا قال: والخليفة الفعيلة من قولك خلف فلان فلاناً في هذا الأثر إذا قام مقامه فيه بعده كما قال: تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم خليفة لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر فكان منه خلفاً. والذي نقلناه من كلام السدي وهو ضعيف ليس لاعتمادنا عليه ولكن أوردناه من أجل اعتراض الطبري عليه والله تعالى أعلم. ومن أراد التوسع أكثر من ذلك فليرجع إلى كتابنا (التبيان لبيان خطأ من قال الإنسان خليفة الله في الأرض)