شرح معاني الآثار
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
٥٦٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ فَأَعْيَاهُ , فَأَدْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ يَا جَابِرُ؟» فَقَالَ: أُعْيِيَ نَاضِحِي يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «أَمَعَكَ شَيْءٌ؟» فَأَعْطَاهُ قَضِيبًا أَوْ عُودًا , فَنَخَسَهُ بِهِ , أَوْ قَالَ ضَرَبَهُ , فَسَارَ سَيْرَةً لَمْ يَكُنْ يَسِيرُ مِثْلَهَا. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , هُوَ نَاضِحُكَ. قَالَ: فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ , وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ , حَتَّى أُقْدِمَ عَلَى أَهْلِي , فَلَمَّا قَدِمْتُ أَتَيْتُهُ بِالْبَعِيرِ، فَقُلْتُ: هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «§لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ , لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ , يَا بِلَالُ , أَعْطِهِ مِنَ الْعَيْبَةِ أُوقِيَّةً وَقَالَ انْطَلِقْ بِبَعِيرِكَ , فَهُمَا لَكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً , بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ , عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا الْبَائِعُ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ , أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ , وَالشَّرْطَ جَائِزٌ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا. - [٤٢] - وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , ثُمَّ افْتَرَقَ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ عَلَى فِرْقَتَيْنِ , فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ , وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ , وَسَنُبَيِّنُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْفِرْقَتَانِ جَمِيعًا , فِي هَذَا الْبَابِ , إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِهَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا , عَلَى الْفِرْقَةِ الْأُولَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَا , أَنَّ فِيهِ مَعْنَيَيْنِ , يَدُلَّانِ أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. فَأَمَّا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ , فَإِنَّ مُسَاوَمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْبَعِيرِ , وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ لِجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رُكُوبًا , قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي. فَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمُسَاوَمَةُ , مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ لِلرُّكُوبِ مِنْ بَعْدُ , فَكَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَفْصُولًا مِنَ الْبَيْعِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَهُ , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ تَدُلُّنَا كَيْفَ حُكْمُ الْبَيْعِ , لَوْ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَشْرُوطًا فِي عُقْدَتِهِ , هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا الْحُجَّةُ الْأُخْرَى , فَإِنَّ جَابِرًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَعِيرِ , فَقُلْتُ: هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ , يَا بِلَالُ أَعْطِهِ أُوقِيَّةً , وَخُذْ بَعِيرَكَ. فَهُمَا لَكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ , لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّبَايُعِ. فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الِاشْتِرَاطَ لِلرُّكُوبِ , كَانَ فِي أَصْلِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْعِلَّةِ , لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ , لِأَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ , لَمْ يَكُنْ بَيْعًا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَلَكَ الْبَعِيرَ عَلَى جَابِرٍ , فَكَانَ اشْتِرَاطُ جَابِرٍ لِلرُّكُوبِ , اشْتِرَاطًا فِيمَا هُوَ لَهُ مَالِكٌ. فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الشَّرْطِ , لَوْ وَقَعَ فِي بَيْعٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي كَيْفَ كَانَ حُكْمُهُ؟ وَذَهَبَ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ , وَجَوَّزُوا الْبَيْعَ إِلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ
شرح معاني الآثار - ط مصر
المدوَّنة · بحديث واحد من جوامع الكلم يجمع النسختين
٥٦٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى جَمَلٍ لَهُ فَأَعْيَاهُ , فَأَدْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ يَا جَابِرُ؟» فَقَالَ: أُعْيِيَ نَاضِحِي يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «أَمَعَكَ شَيْءٌ؟» فَأَعْطَاهُ قَضِيبًا أَوْ عُودًا , فَنَخَسَهُ بِهِ , أَوْ قَالَ ضَرَبَهُ , فَسَارَ سَيْرَةً لَمْ يَكُنْ يَسِيرُ مِثْلَهَا. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , هُوَ نَاضِحُكَ. قَالَ: فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ , وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ , حَتَّى أُقْدِمَ عَلَى أَهْلِي , فَلَمَّا قَدِمْتُ أَتَيْتُهُ بِالْبَعِيرِ، فَقُلْتُ: هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ , لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ , يَا بِلَالُ , أَعْطِهِ مِنَ الْعَيْبَةِ أُوقِيَّةً وَقَالَ انْطَلِقْ بِبَعِيرِكَ , فَهُمَا لَكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً , بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ , عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا الْبَائِعُ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ , أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ , وَالشَّرْطَ جَائِزٌ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا. ⦗٤٢⦘ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , ثُمَّ افْتَرَقَ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ عَلَى فِرْقَتَيْنِ , فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ , وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ , وَسَنُبَيِّنُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْفِرْقَتَانِ جَمِيعًا , فِي هَذَا الْبَابِ , إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِهَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا , عَلَى الْفِرْقَةِ الْأُولَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَا , أَنَّ فِيهِ مَعْنَيَيْنِ , يَدُلَّانِ أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. فَأَمَّا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ , فَإِنَّ مُسَاوَمَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِجَابِرٍ ﵁ , إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْبَعِيرِ , وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ لِجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رُكُوبًا , قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي. فَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمُسَاوَمَةُ , مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ لِلرُّكُوبِ مِنْ بَعْدُ , فَكَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَفْصُولًا مِنَ الْبَيْعِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَهُ , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ تَدُلُّنَا كَيْفَ حُكْمُ الْبَيْعِ , لَوْ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَشْرُوطًا فِي عُقْدَتِهِ , هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا الْحُجَّةُ الْأُخْرَى , فَإِنَّ جَابِرًا ﵁ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْبَعِيرِ , فَقُلْتُ: هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ , يَا بِلَالُ أَعْطِهِ أُوقِيَّةً , وَخُذْ بَعِيرَكَ. فَهُمَا لَكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ , لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّبَايُعِ. فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الِاشْتِرَاطَ لِلرُّكُوبِ , كَانَ فِي أَصْلِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْعِلَّةِ , لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ , لِأَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ , لَمْ يَكُنْ بَيْعًا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَلَكَ الْبَعِيرَ عَلَى جَابِرٍ , فَكَانَ اشْتِرَاطُ جَابِرٍ لِلرُّكُوبِ , اشْتِرَاطًا فِيمَا هُوَ لَهُ مَالِكٌ. فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الشَّرْطِ , لَوْ وَقَعَ فِي بَيْعٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي كَيْفَ كَانَ حُكْمُهُ؟ وَذَهَبَ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ , وَجَوَّزُوا الْبَيْعَ إِلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ
شرح معاني الآثار
جوامع الكلم · بالرقم والإسناد، مقيسًا بنص جوامع الكلم
10 - بَابٌ الْبَيْعُ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطٌ لَيْسَ مِنْهُ 5647 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جَمَلٍ لَهُ فَأَعْيَاهُ ، فَأَدْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ يَا جَابِرُ ؟ I " فَقَالَ : أَعْيَى نَاضِحِي يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ : I " أَمَعَكَ شَيْءٌ ؟ فَأَعْطَاهُ قَضِيبًا أَوْ عُودًا ، فَنَخَسَهُ بِهِ ، أَوْ قَالَ : ضَرَبَهُ ، فَسَارَ سَيْرَةً لَمْ يَكُنْ يَسِيرُ مِثْلَهَا . فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : I " بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ I " قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، هُوَ نَاضِحُكَ . قَالَ : فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ ، حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَهْلِي ، فَلَمَّا قَدِمْتُ أَتَيْتُهُ بِالْبَعِيرِ فَقُلْتُ : هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ : I " لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ ، لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ ، يَا بِلَالُ ، أَعْطِهِ مِنَ الْعَيْبَةِ أُوقِيَّةً ، وَقَالَ : I " انْطَلِقْ بِبَعِيرِكَ ، فَهُمَا لَكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً ، بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا الْبَائِعُ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ ، أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطَ جَائِزٌ ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، ثُمَّ افْتَرَقَ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ عَلَى فِرْقَتَيْنِ ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : الْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَسَنُبَيِّنُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْفِرْقَتَانِ جَمِيعًا ، فِي هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى . فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِهَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا ، عَلَى الْفِرْقَةِ الْأُولَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَا ، أَنَّ فِيهِ مَعْنَيَيْنِ ، يَدُلَّانِ أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ . فَأَمَّا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ ، فَإِنَّ مُسَاوَمَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ، إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ لِجَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - رُكُوبًا ، قَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - : فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي . فَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمُسَاوَمَةُ ، مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ لِلرُّكُوبِ مِنْ بَعْدُ ، فَكَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَفْصُولًا مِنَ الْبَيْعِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَهُ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ تَدُلُّنَا كَيْفَ حُكْمُ الْبَيْعِ ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَشْرُوطًا فِي عُقْدَتِهِ ، هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَأَمَّا الْحُجَّةُ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَعِيرِ ، فَقُلْتُ : هَذَا بَعِيرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ : I " لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُكَ لِأَذْهَبَ بِبَعِيرِكَ ، يَا بِلَالُ أَعْطِهِ أُوقِيَّةً ، وَخُذْ بَعِيرَكَ ، فَهُمَا لَكَ I " فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّبَايُعِ . فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الِاشْتِرَاطَ لِلرُّكُوبِ ، كَانَ فِي أَصْلِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْعِلَّةِ ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ ، لَمْ يَكُنْ بَيْعًا . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَمْ يَكُنْ مَلَكَ الْبَعِيرَ عَلَى جَابِرٍ ، فَكَانَ اشْتِرَاطُ جَابِرٍ لِلرُّكُوبِ ، اشْتِرَاطًا فِيمَا هُوَ لَهُ مَالِكٌ . فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، لَوْ وَقَعَ فِي بَيْعٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي كَيْفَ كَانَ حُكْمُهُ ؟ وَذَهَبَ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ ، وَجَوَّزُوا الْبَيْعَ إِلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ .
نصٌّ مُستخرَج من مخزن «جوامع الكلم»: الكلمات كما هي، والمسافات مُعاد بناؤها · reconstructed from the encyclopedia's store