شرح معاني الآثار
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّ §الثَّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَعًا , فَقَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي وَقْتِ سُنَّةٍ , وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا فِي غَيْرِ جِمَاعٍ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُطَلِّقُوا لِوَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ , فَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُمْ. وَقَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فِي وَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ , فَطَلَّقَهَا فِي غَيْرِهِ , أَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى شَرِيطَةٍ , فَطَلَّقَهَا عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الشَّرِيطَةِ , أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ , إِذْ كَانَ قَدْ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ , فَإِذَا أَوْقَعُوهُ كَمَا أُمِرُوا بِهِ , وَقَعَ , وَإِذَا أَوْقَعُوهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ , لَمْ يَقَعْ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ , فَقَالُوا: الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ مِنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ , فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتُمْ , إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ طَاهِرًا , مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ , أَوْ كَانَتْ حَامِلًا , وَأُمِرُوا بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ إِذَا أَرَادُوا إِيقَاعَهُنَّ , وَلَا يُوقِعُونَهُنَّ مَعًا. فَإِذَا خَالَفُوا ذَلِكَ , فَطَلَّقُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطَلِّقُوا فِيهِ , وَأَوْقَعُوا مِنَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا أُمِرُوا بِإِيقَاعِهِ , لَزِمَهُمْ مَا أَوْقَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَهُمْ آثِمُونَ فِي تَعَدِّيهِمْ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْوَكَالَاتِ , لِأَنَّ الْوُكَلَاءَ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِينَ , فَيَحِلُّونَ فِي أَفْعَالِهِمْ تِلْكَ مَحَلَّهُمْ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا لَزِمَ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ لَمْ يَلْزَمْ. وَالْعِبَادُ فِي طَلَاقِهِمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ لَا لِغَيْرِهِمْ , لَا لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّ غَيْرِهِمْ , فَيُرَادُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِصَابَةُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ الَّذِينَ يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّهُ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لَزِمَهُمْ مَا فَعَلُوا , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نُهُوا عَنْهُ , لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ مِمَّا قَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى الْعِبَادَ عَنْ فِعْلِهَا , أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِذَا فَعَلُوهَا أَحْكَامًا , مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ الظِّهَارِ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ , وَلَمْ يَمْنَعْ مَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ تَحْرُمَ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا , حَتَّى يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. فَلَمَّا - [٥٦] - رَأَيْنَا الظِّهَارَ قَوْلًا مُنْكَرًا وَزُورًا , وَقَدْ لَزِمَتْ بِهِ حُرْمَةٌ , كَانَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ , هُوَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ , وَالْحُرْمَةُ بِهِ وَاجِبَةٌ. وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ طَلَاقِ عَبْدِ اللهِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ , أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا , وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الْآثَارُ , وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ , مَنْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَلْزَمَهُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ , وَهُوَ وَقْتٌ لَا يَحِلُّ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ , كَانَ كَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا , فَأَوْقَعَ كُلًّا فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى خِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ. فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , مَا لَوِ اكْتَفَيْنَا بِهِ كَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ , قَدْ كَانَتْ لَكُمْ فِي الطَّلَاقِ أَنَاةٌ وَإِنَّهُ مَنْ تَعَجَّلَ أَنَاةَ اللهِ فِي الطَّلَاقِ أَلْزَمْنَاهُ إِيَّاهُ.
شرح معاني الآثار - ط مصر
المدوَّنة · بحديث واحد من جوامع الكلم يجمع النسختين
لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَعًا , فَقَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي وَقْتِ سُنَّةٍ , وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا فِي غَيْرِ جِمَاعٍ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ اللهُ ﷿ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُطَلِّقُوا لِوَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ , فَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُمْ. وَقَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فِي وَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ , فَطَلَّقَهَا فِي غَيْرِهِ , أَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى شَرِيطَةٍ , فَطَلَّقَهَا عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الشَّرِيطَةِ , أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ , إِذْ كَانَ قَدْ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ , فَإِذَا أَوْقَعُوهُ كَمَا أُمِرُوا بِهِ , وَقَعَ , وَإِذَا أَوْقَعُوهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ , لَمْ يَقَعْ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ , فَقَالُوا: الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ مِنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ , فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتُمْ , إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ طَاهِرًا , مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ , أَوْ كَانَتْ حَامِلًا , وَأُمِرُوا بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ إِذَا أَرَادُوا إِيقَاعَهُنَّ , وَلَا يُوقِعُونَهُنَّ مَعًا. فَإِذَا خَالَفُوا ذَلِكَ , فَطَلَّقُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطَلِّقُوا فِيهِ , وَأَوْقَعُوا مِنَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا أُمِرُوا بِإِيقَاعِهِ , لَزِمَهُمْ مَا أَوْقَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَهُمْ آثِمُونَ فِي تَعَدِّيهِمْ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ ﷿. وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْوَكَالَاتِ , لِأَنَّ الْوُكَلَاءَ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِينَ , فَيَحِلُّونَ فِي أَفْعَالِهِمْ تِلْكَ مَحَلَّهُمْ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا لَزِمَ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ لَمْ يَلْزَمْ. وَالْعِبَادُ فِي طَلَاقِهِمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ لَا لِغَيْرِهِمْ , لَا لِرَبِّهِمْ ﷿ , وَلَا يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّ غَيْرِهِمْ , فَيُرَادُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِصَابَةُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ الَّذِينَ يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّهُ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لَزِمَهُمْ مَا فَعَلُوا , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نُهُوا عَنْهُ , لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ مِمَّا قَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى الْعِبَادَ عَنْ فِعْلِهَا , أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِذَا فَعَلُوهَا أَحْكَامًا , مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ الظِّهَارِ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ , وَلَمْ يَمْنَعْ مَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ تَحْرُمَ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا , حَتَّى يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. فَلَمَّا ⦗٥٦⦘ رَأَيْنَا الظِّهَارَ قَوْلًا مُنْكَرًا وَزُورًا , وَقَدْ لَزِمَتْ بِهِ حُرْمَةٌ , كَانَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ , هُوَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ , وَالْحُرْمَةُ بِهِ وَاجِبَةٌ. وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ , لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ طَلَاقِ عَبْدِ اللهِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ , أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا , وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الْآثَارُ , وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ , مَنْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَلْزَمَهُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ , وَهُوَ وَقْتٌ لَا يَحِلُّ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ , كَانَ كَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا , فَأَوْقَعَ كُلًّا فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى خِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ. فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , مَا لَوِ اكْتَفَيْنَا بِهِ كَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ , قَدْ كَانَتْ لَكُمْ فِي الطَّلَاقِ أَنَاةٌ وَإِنَّهُ مَنْ تَعَجَّلَ أَنَاةَ اللهِ فِي الطَّلَاقِ أَلْزَمْنَاهُ إِيَّاهُ.
شرح معاني الآثار
جوامع الكلم · بالرقم والإسناد، مقيسًا بنص جوامع الكلم
2 - بَابُ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَعًا 4473 - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ :
أَتَعْلَمُ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَعًا ، فَقَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي وَقْتِ سُنَّةٍ ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا فِي غَيْرِ جِمَاعٍ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : لَمَّا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُطَلِّقُوا لِوَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ ، فَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُمْ . وَقَالُوا : أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فِي وَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ ، فَطَلَّقَهَا فِي غَيْرِهِ ، أَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى شَرِيطَةٍ ، فَطَلَّقَهَا عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الشَّرِيطَةِ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ ؛ إِذْ كَانَ قَدْ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ ، الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ ، فَإِذَا أَوْقَعُوهُ كَمَا أُمِرُوا بِهِ وَقَعَ ، وَإِذَا أَوْقَعُوهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالُوا : الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْعِبَادَ مِنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتُمْ ، إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا ، وَأُمِرُوا بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثَ إِذَا أَرَادُوا إِيقَاعَهُنَّ ، وَلَا يُوقِعُونَهُنَّ مَعًا . فَإِذَا خَالَفُوا ذَلِكَ ، فَطَلَّقُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطَلِّقُوا فِيهِ ، وَأَوْقَعُوا مِنَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا أُمِرُوا بِإِيقَاعِهِ ، لَزِمَهُمْ مَا أَوْقَعُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَهُمْ آثِمُونَ فِي تَعَدِّيهِمْ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْوَكَالَاتِ ؛ لِأَنَّ الْوُكَلَاءَ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِينَ ، فَيَحِلُّونَ فِي أَفْعَالِهِمْ تِلْكَ مَحَلَّهُمْ ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا لَزِمَ ، وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ لَمْ يَلْزَمْ . وَالْعِبَادُ فِي طَلَاقِهِمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ لَا لِغَيْرِهِمْ ، لَا لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّ غَيْرِهِمْ ، فَيُرَادُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِصَابَةُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ الَّذِينَ يَحِلُّونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ مَحَلَّهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَزِمَهُمْ مَا فَعَلُوا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نُهُوا عَنْهُ ؛ لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ مِمَّا قَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى الْعِبَادَ عَنْ فِعْلِهَا ، أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِذَا فَعَلُوهَا أَحْكَامًا . مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ الظِّهَارِ ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ تَحْرُمَ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا ، حَتَّى يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ . فَلَمَّا رَأَيْنَا الظِّهَارَ قَوْلًا مُنْكَرًا وَزُورًا ، وَقَدْ لَزِمَتْ بِهِ حُرْمَةٌ ، كَانَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ ، هُوَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ ، وَالْحُرْمَةُ بِهِ وَاجِبَةٌ . وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنْ طَلَاقِ عَبْدِ اللهِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا ، وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الْآثَارُ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ مَنْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ . فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَلْزَمَهُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ ، وَهُوَ وَقْتٌ لَا يَحِلُّ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ ، كَانَ كَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَأَوْقَعَ كُلًّا فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى خِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ . فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، مَا لَوِ اكْتَفَيْنَا بِهِ كَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : ( فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ كَانَتْ لَكُمْ فِي الطَّلَاقِ أَنَاةٌ ، وَإِنَّهُ مَنْ تَعَجَّلَ أَنَاةَ اللهِ فِي الطَّلَاقِ أَلْزَمْنَاهُ إِيَّاهُ ) .
نصٌّ مُستخرَج من مخزن «جوامع الكلم»: الكلمات كما هي، والمسافات مُعاد بناؤها · reconstructed from the encyclopedia's store