١٦- أخبرني أبو بكر عبد الرحمن بن العباس الشافعي بمصر، عن محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثني مصعب الزبيري قال: ((قدم الشافعي المدينة وأقدمه رجلٌ طالبيٌ وكان موافقاً للقوم، فكان يجلس في مسجد رسول الله ﷺ، وينشد أشعار الشعراء، وكان حسن اللفظ به، فصيح القول، عالماً بمعانيه. قال: فجلس عند أبي أياماً ثم قال له يوماً: ترضى في قرشيتك ما أنت فيه أن تكون شاعراً! قال: فقال: فما أصنع يا عم؟ قال: تتفقه فإن رسول الله ﷺ قال: من يرد الله به خيراً ⦗٦٩⦘ يفقهه في الدين. قال: وأنى لي ذلك؟ قال: مالك بن أنس سيد المسلمين. فقال: قم بنا إليه. قال: فأتينا مالكاً فجلس عند مالك، وأخبر أبي مالكاً بشرفه وأمره. قال: فقربه مالكٌ وأدناه. قال: وجعل يسمع من مالك. فلما كان بعد أيام قال: أيش يقول مالك: أمرنا الذي عليه أهل بلدنا، والذي عليه أئمة المسلمين الراشدين المهديين؟ فقال له: إن أولهم رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان الذين توفوا بالمدينة. قال: فترك مذهبه وما كان فيه، وسمع الموطأ من مالك وسر به مالك. فأقصاه العلوي واشتد به الحال. قال: فأتى أبي العلوي فقال: أقدمت ابن عمك محمد بن إدريس ثم جفيته! قال: إنه ليستحكم ويصد الناس عن مذهبنا وقال بمقالته. فقال: وما يكون الناس يستمعون وينتقلون من رأي إلى رأي. فقال له: صدقت قد أخطأت. ثم وصله بثلاث مئة دينار. وكان الشافعي في خلال ذلك ربما جالس إبراهيم بن أبي يحيى فربما يقول: ما أجهله. ثم خرج إلى مكة فكتب عن سفيان بن عيينة، وعن مسلم بن خالد. ثم خرج بعد ذلك إلى اليمن فافتتن به أهل اليمن، فكتب السلطان الذي كان باليمن إلى هارون: إن قبلي رجلٌ من ولد شافع قد افتتن اليمن عن آخرها، لو أراد أن يخرج معه عن آخرهم لفعلوا. قال: فكتب إليه أن يحمله مغصوباً إليه. قال: فحمل فوافى به الرقة ولم يتركه أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره. فلما وافى الرقة لقي محمد بن الحسن وكان معه ستون ديناراً، فاعتذر إليه ودفعها إلى كاتبه فقال: اكتب لي كتبه. قال: فكتب له. قال: فجلس محمد بن الحسن يوماً في مسجد الرقة وجعل يزري بأهل الحجاز ويقول: أيش يحسنوا، وهل فيهم أحدٌ يحسن مسألةً؟ قال: وكان الشافعي في ناحية، فبلغه فجاء فسلم عليه، وإن شاربه ليدخل ⦗٧٠⦘ فمه، والفضل بن الربيع حاضرٌ. فقال الشافعي لابن الحسن: أما أصحابك فأعلم الناس بما لم يكن أبداً وأجهلهم بالسنن. فناظره فقال له: قد أكثرت -والفضل يكتب ما يجري بينهما- فقال الشافعي يومئذ: ما تقول في صلاة الخوف كيف يصليها الرجل؟ فقال محمد بن الحسن: منسوخ قال الله ﷿: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ ، فلما خرج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم لم تجب عليهم صلاة الخوف. فقال الشافعي: قال الله ﷿: ﴿خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم﴾ ، فلما خرج رسول الله من بين أظهرهم لم تجب عليهم! قال ابن الحسن: كلا بل تجب عليهم. فقال الشافعي: وكلا بل تجب عليهم)) .