١٤٣٩ - دخلت أنطاكية إلى مسجد الجامع فإذا أنا بشيخ جليل، جميل، فسلمت وجلست، فقال: لي: من أين أنت؟ قال: قلت أنا من أهل حران، قال: أما إنها مدينة إبراهيم الخليل، ولا يزال فيها رجل من الأبدال إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: حدثني - رحمك الله - بحديت أحدث به عنك، قال: إني لست أحدثك حتى تعطيني عهد الله وميثاقه أنك لا جلست إلا إلى قوم من أهل لا إله إلا الله حدثتهم به، قال: قلت: افعل ذلك إن شاء الله، قال: أتيت البصرة، فأقمت فيها أربع حجج في طلب العلم، وكان العلماء متوافرين بالبصرة، فكتبت بها علمًا كثيرًا فقال: لي رجل: منذ كم تكتب معنا الحديث؟ لقد كتبت علمًا كثيرًا، ولقد فاتك كلام رجل والنظر إليه، قد لقي أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ، قال: قلت: وأين مسكنه؟، قال: في رحبة اليهود بالبصرة، قال: فانطلقت حتى أتيت قصره فإذا أنا بقصر مشيد، له باب من حديد، وعلى باب القصر مشايخ ما رأيت واللّه أجمل منهم، ولا أكمل جمالًا، فلما رأيتهم هالني أمرهم، فقدمت فسلمت، فردوا عليَّ السلام ورحبوا وقربوا وأدنوا، ثم قالوا: هل لك من حاجة؟، قال: قلت: نعم، أنا شيخ من أهل الشام، خرجت إلى بلدكم هذا في طلب العلم، وأنا مقيم فيه من أربع حجج، وقد بلغنني عن والدكم أنه لقي أنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ وقال ﷺ: "طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني"، وأبوكم قد رأى من رأى رسول الله ﷺ وخدم رسول الله ﷺ، فقال: لي نعم وكرامة، إنا ندخل عليه في كل غداة فنسلم ولا ندخل إلا من غد، ولنا أخ هو أصغر منا سنًا يكنا بأبي الطيب، فنسأله يدخلك معه عليه، على أنا نشرط عليك لا تتكلم، تنظر إليه وهو لا ينظر إليك، قال: فدعوت لهم، فقالوا لي: أدخل إلى هذا المسجد، فإذا صليت العصر، فصر إلينا نسأله يدخلك، قال: فنهضت، فلما دخلت من باب المسجد شممت رائحة المسك، وإن المسجد قد وزر بالخلوق والمسك والعنبر، فسلمت وصليت ركعتين وسألت الله ﷿ أن يسهل لي النظر إلى وجه وليه، فلما فرغت من الدعاء فإذا بشيخ طويل القامة، عظيم الهامة، عليه جبة صوف، مقطوع الكمين، مشدود وسطه بحبل من ليف، على عاتقه مرَّ ومجرفة وزنبيل، فوضع المر والمجرفة والزنبيل في زاوية المسجد، ثم سلم وكبر وصلى ركعة واحدة فقط، قال: قلت: سبحان الله، لعله قد سها، فقال: لي مجيبًا: وبحمده، قال: فقلت: رحمك الله، إنك لم تصلَّ إلَّا ركعة، فقال: ركعة واحدة تجزي تحية المسجد، إنما هي تطوع، ليس هي فرض. قال: قلت: رحمك الله، من حدثك أن ركعة تجزيء تحية المسجد؟ قال: مولاي صاحب هذا القصر. قال: قلت ومملوك أنت؟، قال: كنت مملوكًا، ولكن أعتق الله رقبتي منذ خمسين سنة وأنا أحفر القبور منذ خمسين سنة، قال: قلت: وما الذي حملك إلى حفر القبور؟، قال: لحديت حدثني مولاي هذا عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر قبرًا لأخيه المسلم ولم يأخذ عليه جزاء بنى الله تعالى له بيتًا في الفردوس الأعلى، فيه قبة خضراء، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها". وسمعته يقول: "من غسل أخاه المسلم ولم يأخذ عليه أجرًا وكتم ما يرى منه، غفر الله ﷿ له ذنوبه في ظلمة قبره ووحشته إذا خلا فردًا وحيدًا مرتهنًا بعمله، ووكل به ملك بيده مصباح من نور، فهو يؤنسه في قبره إلى أن ينفخ الله في الصور"، فهو الذي حملني على حفر القبور، وغسل الموتى، وحرسي القبور، قال: قلت ما أسمك؟، قال: صالح، قال: قلت باللّه يا صالح حدثني بأعجب شيء رأيت في ظلمات الليل وأنت تحفر القبور منذ خمسين سنة، قال: إني لست أحدثك أو تعطيني عهد الله وميثاقه أنك لا تجلس إلى قوم من أهل لا إله إلا الله إلا حدثتهم به، قال: قلت: نفعل إن شاء الله، قال: ملأت بنت القاضي - قاضي البصرة - ولم يكن بالبصرة امرأة هي أجمل منها، ولا أكمل جمالًا، فجزع عليها أبوها جزعا شديدًا، فدخلت عليه وهو يبكي من أحرَّ البكاء، ودموعه تجري على وجنتيه، فسلمت، فرد علي السلام، فقال: قلت: رحمك الله، إن الموت حتم على الخلق، وإن الله ﵎ قال لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (¬١)، فقال: لى لا صالح، قد علمت إن لم لكن بالبصرة امرأة هي أجمل من ابنتي ولا أكثر مالًا، مات عنها زوجها ولم ترزق منه ولدًا، وقد ورثت منه مالًا عظيمًا، وقد كنت رجوت أن ترثني أنا إذا مت، فلما أن ملأت دخل عليَّ أمر عظيم، وقد أوصتْ إليَّ أن أخرج من ثلثها ثلاثة آلاف دينار أكفنها بألف دينار، وأتصدق عنها بألف دينار، ويعطى لحرس قبرها ألف دينار، يحرس سنة، اثني عشر شهرًا، قال: قلت أما أنا فقد أعطيت عهد الله وميثاقه يسألني عنه أني لا أخذ لحرس قبر، ولا لحفر قبر، ولا لغسل ميت شيئًا أبدًا، فقال لي: يا سبحان الله ترزق رزقًا حلالًا وترده؟، قال: قلت: نعم أيها القاضي إني أريد أن أشير عليك بشيء يسعدك الله تعالى به ويدخل على ابنتك في قبرها السرور والرحمة، فقال: تكلم، قال: قلت: إن الميت لا ينتفع أن يكفن بألف دينار، فإنه يبلى في التراب والصديد والدود، ولكن تكفن بمئة دينار، وتضيف تسع مئة إلى الألفين، فنشتري بها الثياب والخبز والماء،