٣٥ - وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، أنا الحسن بن رشيق ، إجازة ، ثنا محمد بن سفيان بن سعيد ، ثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني ، بمكة قال : سمعت الجارودي ، يقول : ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علية فقال : أنا مخالف له في كل شيء ، وفي قوله : لا إله إلا الله ، لست أقول كما يقول ، أنا أقول : لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب ، وذاك يقول : لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب قلنا : ولأن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا : ( إن هذا إلا قول البشر (١) ) ، يعنون القرآن ، فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر ، وهذا مما أنكره الله على المشركين ؛ ولأن الله تعالى قال : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (٢) ) ، فلو كانت البحار مدادا يكتب به لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات الله D كما لا يلحق الفناء علم الله ؛ لأن من فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت ، فلما لم يجر ذلك على ربنا D صح أنه لم يزل متكلما ولا يزال متكلما ، وقد نفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن وجهه . وأما قول الله D : ( إنه لقول رسول كريم (٣) ) ، معناه : قول تلقاه عن رسول كريم أو سمعه من رسول كريم ، أو نزل به رسول كريم . فقد قال : ( فأجره حتى يسمع كلام الله (٤) ) ، فأثبت أن القرآن كلام الله D ، ولا يكون شيء واحد كلاما للرسول A وكلاما لله ، دل أن المراد بالأول ما قلنا ، وقوله : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا (٥) ) معناه : سميناه قرآنا عربيا وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه ، وهو كما قال الله D : ( ويجعلون لله ما يكرهون (٦) ) ، يعني : يصفون لله ما يكرهون ولم يرد به الخلق . وقوله : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (٧) ) يحتمل أن يكون معناه ذكرا غير القرآن ، وهو كلام الرسول A ووعظه إياهم بقوله ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (٨) ) ؛ ولأنه لم يقل : لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا ، وإنما قال : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) ، فدل على أن ذكرا غير محدث ثم إنه إنما أراد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم وعلمهم به ، وكل ذلك محدث ، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث ، كما أن ذكر العبد لله وعلمه به وعبادته له محدث ، والمذكور المعلوم المعبود غير محدث ، وحين احتج به على أحمد بن حنبل C قال أحمد بن حنبل Bه : قد يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه محدث قال الشيخ C : وهذا الذي أجاب به أحمد بن حنبل C ظاهر في الآية ، وإتيانه تنزيله على لسان الملك الذي أتى به ، والتنزيل محدث ، وقد أجاب أحمد C بالجواب الأول . وأما تسمية عيسى بكلمة الله فعلى معنى أنه صار مكونا بكلمة الله من غير أب كما صار آدم مكونا بكلمة الله من غير أب ولا أم ، وقد بينه بقوله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٩) ) . وقد روينا في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين ، عن النبي A أنه قال وكتب في الذكر كل شيء» ، والقرآن فيما كتب في الذكر لقوله D : ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ (١٠) ) . وفي ذلك دلالة على قدم القرآن ووجوده قبل وقوع الحاجة إليه ، ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الذي