المجالسة وجواهر العلم
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
أحمد عن أبو قبيصة عن سعيد الجرمي عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه عن خطب علي بن أبي طالب يوما؛ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على
٢١٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا أَبُو قُبَيْصَةَ، نَا سَعِيدٌ الْجَرْمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَالِحٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: - [٢٨٢] - خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَوْمًا؛ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: عِبَادَ اللهّ! لا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْفَنَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ، وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَالٌ، لَنْ يَسْلَمَ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَمَا أَهْلُهَا فِي رَخَاءٍ وَسُرُورٍ؛ إِذْ هُمْ مِنْهَا فِي بَلاءٍ وَغُرُورٍ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالرَّخَاءُ فِيهَا لا يَدُومُ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا وَتَقْضِمُهُمْ بِحِمَامِهَا. عِبَادَ اللهِ! وَإِنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَنْ سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا، وَأَشَدَّ مِنْكُمْ بَطْشًا، وَأَعْمَرَ دِيَارًا، وَأَبْعَدَ آثَارًا؛ فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً خَامِدَةً، مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، وَاسْتُبْدِلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالسُّرُرِ وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالأَحْجَارَ الْمُسْنَدَةِ فِي الْقُبُورِ، الْمِلاطِيَّةِ الْمُلْحَدَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَ الْخَرَابُ قِبَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بناؤها، فمحلها مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ عُمَارَةٍ مُوحِشِينَ وَأَهْلِ مَحِلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ، لا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ، وَلا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُوِّ الدَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى؛ فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتًا، وَبَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتًا، فُجِعَ بِهِمُ الأَحْبَابُ، وَسَكَنُوا التُّرَابَ، وَظَعِنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! ! {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يوم يبعثون} [المؤمنون: ١٠٠] ، وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ - [٢٨٣] - الْوِحْدَةِ وَالْبِلَى فِي دَارِ الْمَوْتَى، وَارْتَهَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعِ؛ فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ قَدْ تَنَاهَتِ الأُمُورُ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، أَوَقَفْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ جَلِيلٍ، فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَهُتِكَتْ عَنْكُمُ الْحُجُبُ وَالأَسْتَارُ، وَظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْعُيُوبُ وَالأَسْرَارَ، هُنَالِكَ: {تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: ١٧] ، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَؤُا بِمَا عِمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى) [النجم: ٣١] (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩» [الكهف: ٤٩] . جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ عَامِلِينَ بِكِتَابِهِ، مُتَّبِعِينَ لأَوْلِيَائِهِ، حَتَّى يُحِلَّنَا وَإِيَّاكُمْ دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فضلة؛ إِنَّهُ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ
المجالسة وجواهر العلم
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
أحمد عن أبو قبيصة عن سعيد الجرمي عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه عن خطب علي بن أبي طالب يوما؛ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على
٢١٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا أَبُو قُبَيْصَةَ، نَا سَعِيدٌ الْجَرْمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَالِحٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: ⦗٢٨٢⦘ خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمًا؛ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: عِبَادَ اللهّ! لا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْفَنَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ، وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَالٌ، لَنْ يَسْلَمَ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَمَا أَهْلُهَا فِي رَخَاءٍ وَسُرُورٍ؛ إِذْ هُمْ مِنْهَا فِي بَلاءٍ وَغُرُورٍ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالرَّخَاءُ فِيهَا لا يَدُومُ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا وَتَقْضِمُهُمْ بِحِمَامِهَا. عِبَادَ اللهِ! وَإِنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَنْ سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا، وَأَشَدَّ مِنْكُمْ بَطْشًا، وَأَعْمَرَ دِيَارًا، وَأَبْعَدَ آثَارًا؛ فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً خَامِدَةً، مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، وَاسْتُبْدِلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالسُّرُرِ وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالأَحْجَارَ الْمُسْنَدَةِ فِي الْقُبُورِ، الْمِلاطِيَّةِ الْمُلْحَدَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَ الْخَرَابُ قِبَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بناؤها، فمحلها مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ عُمَارَةٍ مُوحِشِينَ وَأَهْلِ مَحِلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ، لا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ، وَلا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُوِّ الدَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى؛ فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتًا، وَبَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتًا، فُجِعَ بِهِمُ الأَحْبَابُ، وَسَكَنُوا التُّرَابَ، وَظَعِنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! ! ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ، وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ ⦗٢٨٣⦘ الْوِحْدَةِ وَالْبِلَى فِي دَارِ الْمَوْتَى، وَارْتَهَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعِ؛ فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ قَدْ تَنَاهَتِ الأُمُورُ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، أَوَقَفْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ جَلِيلٍ، فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَهُتِكَتْ عَنْكُمُ الْحُجُبُ وَالأَسْتَارُ، وَظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْعُيُوبُ وَالأَسْرَارَ، هُنَالِكَ: ﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] ، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَؤُا بِمَا عِمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى) [النجم: ٣١] (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)) [الكهف: ٤٩] . جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ عَامِلِينَ بِكِتَابِهِ، مُتَّبِعِينَ لأَوْلِيَائِهِ، حَتَّى يُحِلَّنَا وَإِيَّاكُمْ دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فضلة؛ إِنَّهُ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ