عُيَيْنَةُ: مَا أَنْتَ الْمُتَكَلِّمَ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَقْعَدَكَ هَذَا الْمَقْعَدَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ، وَغَضِبَ لِعُيَيْنَةَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا لِمَالِكٍ: أَتَقُولُ هَذَا لِسَيِّدِ مُضَرَ؟ وَقَامَ عُيَيْنَةُ مُغْضَبًا وَقَالَ: لَهَذَا الْيَوْمُ أَعْظَمُ عِنْدِي مِنْ قَتْلِ الْهَبَاءَةِ أَوْ لِمَا جَنَاهُ أُرَيْمِصُ غَطَفَانَ، يَعْنِي مَا جَنَاهُ مَالِكٌ أَشَدُّ مِمَّا جَنَى وَقْتَئِذٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَضَرَبَهُ - [٦٨٩] - بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: يَا عُيَيْنَةُ، كُنْ ذَلِيلًا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا أَنْتَ طَلِيقٌ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا حَتَّى يَشْفَعَ لَكَ مَالِكٌ، فَرَجَعَ عُيَيْنَةُ فَبَاتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، وَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الْعُيُونَ، فَإِذَا عِنْدَهُ رِجَالٌ مِنَ الْعَرَبِ وَهُوَ يَقُولُ: الْعَجَبُ لِعُمَرَ، إِنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ ارْتَدَّ مَرَّتَيْنِ فَغَفَرُوا لَهُ ذَنْبَهُ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ أُخْتَهُ ثُمَّ تَلَقَّفُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَوْلَعُوا بِي حَتَّى مَا يَلْهَجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا بِتَعْيِيرِي فَقَالَ لَهُ الْهَرَمُ بْنُ قُطْبَةَ: وَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْأَشْعَثِ؟ مَلِكٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سَيِّدٌ فِي الْإِسْلَامِ، لَهُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِلْءُ الْمَدِينَةِ، فَأَقْصِدْ وَاعْلَمْ أَنَّكَ مَعَ عُمَرَ. قَالَ: فَبَاتَ وَهُوَ يَتَغَنَّى: [البحر الطويل] حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ... لَقَلْبُ أَبِي حَفْصٍ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرْ أَيَشْتُمُنِي الْفَارُوقُ وَاللَّهُ غَافِرٌ ... لَهُ مَا مَضَى إِنْ أَصْلَحَ الْيَوْمَ مَا غَبَرْ فَآلَى يَمِينًا لَا يُرَاجِعُ قَلْبَهُ ... عُيَيْنَةُ حَتَّى يَشْفَعَ ابْنُ أَبِي زُفَرْ وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ شَفَاعَةِ مَالِكٍ ... إِلَى عُمَرٍ لِلَّهِ مِنْ كَبِدَيْ عُمَرْ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ ... عُيَيْنَةُ مَحْمُودُ الزِّيَادَيْنِ فِي مُضَرْ وَآبَاؤُهُ الْغُرُّ الْبَهَالِيلُ مِنْهُمُ ... حُذَيْفَةُ شَمْسٌ وَابْنُهُ حِصْنُهَا الْقَمَرْ فَإِنْ يَكُ كَانَتْ مِنِّيَ الْعَامَ رِدَّةٌ ... فَلَسْتُ أَبَا حَفْصٍ بِأَوَّلِ مَنْ كَفَرْ وَلَلْأَشْعَثُ الْكِنْدِيُّ أَعْظَمُ غَدْرَةً ... وَأَنْكَى بِهَا مِنْ حَيِّ ذُبْيَانَ إِذْ غَدَرْ فَأَنْكَحَهُ الصِّدِّيقُ وَاخْتَارَ قَوْمَهُ ... وَأَمْسَى يُفَدَّى الْيَوْمَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرْ وَأَنِّي لَهُ إِذَا كَانَ قَدْ. ... لَهُ دُونٌ وَكَانَ لَهُ نَفَرْ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ قَالَ: يَا عُيَيْنَةُ، إِنِّي عَلَى حَلْفَتِي فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ، فَأَتَى عُيَيْنَةُ مَالِكًا فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَعَدَ عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُهُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: مَا بَالُكَ هَا هُنَا؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ أُرَيْمِصَ غَطَفَانَ قَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ هَذَا كَائِنًا، أَلَا بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَأَتَاكَ؟ فَضَحِكَ عُيَيْنَةُ وَقَالَ: هَلْ يَدَعُنَا عُمَرُ؟ حَلَفَ لَا يَرْضَى حَتَّى يَشْفَعَ لِي مَالِكٌ، فَقَبَّحَ اللَّهُ هَذَا عَيْشًا مَعَ مَا تَرَى فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ حِصْنٍ، مَنْ دَخَلَ هَذَا الدِّينَ ذَلَّ، وَمَنْ فَزِعَ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يُمْنَعْ، وَجَاءَ مَالِكٌ فَكَلَّمَهُ عُيَيْنَةُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَشَى مَعَهُ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عُيَيْنَةَ حَرِجُ الصَّدْرِ ضَيِّقُ الذَّرْعِ، يَخَافُهُ مَنْ فَوْقَهُ، وَيُخِيفُهُ مَنْ دُونَهُ، فَارْضَ عَنْهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ. قَالَ عُيَيْنَةُ: هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ قَاعِدًا وَفِي يَدِهِ الدِّرَّةُ وَالنَّاسُ عِنْدَهُ، فَأَقْبَلَ الْجَارُودُ، فَلَمَّا أَتَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذَا سَيِّدُ رَبِيعَةَ - [٦٩١] -، فَسَمِعَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَمِعَهَا الْجَارُودُ وَسَمِعَهَا الْقَوْمُ، فَلَمَّا دَنَا الْجَارُودُ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ الْجَارُودُ: بِسْمِ اللَّهِ، مَهْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: ذَلِكَ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُهَا وَسَمِعْتَ مَا قَالَ الرَّجُلُ قَالَ: فَمَهْ قَالَ: §خَشِيتُ أَنْ يُخَالِطَ قَلْبَكَ مِنْهَا شَيْءٌ " حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّ ثَنَا صَدَقَةُ أَبُو سَهْلٍ الْهُنَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ، عَنْ زَاذَانَ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا جَمْعٌ عَلَى رَجُلٍ، فَسَأَلَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، كَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرِدًا يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ خَفْقًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ مَا تَصْنَعُ قَالَ: §فَإِنِّي عَلَى عَمَدٍ أَصْنَعُ، أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ؟ " حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الْأَصْبَعِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ الْقُرَشِيِّ، أَنَّهُ تَنَاجَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ يُحِيطُونَ بِهِمَا لَا يَسْمَعُ نَجْوَاهُمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمْ يَزَالَا يَتَحَدَّثَانِ فِي الرَّأْيِ حَتَّى أَغْضَبَ عُثْمَانُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي بَعْضِ مَا تَكَلَّمُوا - [٦٩٢] - بِهِ، §فَقَبَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ قَبْضَةً فَحَصَبَ بِهَا وَجْهَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَجَّهُ بِالْحَصَى فِي وَجْهِهِ آثَارًا مِنْ شِجَاجٍ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَثْرَةَ تَسَرُّبِ الدَّمِ عَلَى لِحْيَتِهِ قَالَ: أَمْسِكْ عَنْكَ الدَّمَ، فَعَرَفَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَادِمٌ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَهُولَنَّكَ الَّذِي أَصَبْتَ مِنِّي، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَنْتَهِكُ مِمَّنْ وَلَّيْتَنِي أَمْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ الَّتِي اسْتَرْعَاكَ اللَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا انْتَهَكْتَ مِنِّي، فَأُعْجِبَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَأْيِهِ، وَحَمَلَهُ وَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا " حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ §احْجُبْنِي لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَمَنَعْتُهُ، فَأَرَادَنِي فَامْتَنَعْتُ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَنِي، فَدَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ وَفِي يَدِهِ الدِّرَّةُ فَعَلَاهُ بِهَا وَقَالَ: أَرَدْتُمْ أَنْ تُجَرِّئُوا عَلَيَّ كِلَابَ الْعَرَبِ " حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ سَالِمٍ، يَعْنِي الْأَفْطَسَ قَالَ: "جَاءَتْ وُفُودُ فَارِسَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: §هُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَأَتَوْهُ فَإِذَا هُوَ فِيهِ لَيْسَ عِنْدَهُ حَرَسٌ وَلَا كَبِيرٌ أَحَدٌ، فَقَالُوا: هَذَا الْمُلْكُ وَاللَّهِ لَا مُلْكُ كِسْرَى" حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ - [٦٩٣] -: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «§لِيَعْلَمَ مَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِي أَنْ سَيُرِيدُهُ عَنْهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِنِّي لَأُقَاتِلُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِي قِتَالًا، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَقْوَى عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مِنِّي لَكُنْتُ أَنْ أُقَدَّمَ فَيُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ إِلَيْهِ»