٨ - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحم أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط، عاري اليدين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائر أو سائل - شك ابن سعيد - الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، بنبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره ملاحظة، يسوق أصحابه، يبدأ من لقي بالسلام، قال: قلت: صف لي منطقه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فضل لا فضول ولا تقصير، دمث، ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا غير أنه لا يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، فإذا نوزع الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضر ب براحته اليمنى باطن كفه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، قال الحسن: فكتمها الحسين زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبق إليه وسأله عما سألته. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك، كان إذا أوى إلى منزله جزأ نفسه ثلاثة أجزاء: جزء لله وجزءا لأهله وجزءا لنفسه، تم جزءا جزءا بينه وبين الناس، فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم وإلا معه من مسألتهم يلائمهم ويخبرهم بالذي ينبغي لهم ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوا في حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإن من أبلغ سلطانا حاجة لا يستطيع إبلاغها يثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا ولا يفترون إلا عن ذواق ويخرجون أذلة، قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، قال: كان يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم القوم