بشاة ميتة كان هو أعطاها مولاة لميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "هلا انتفعتم بجلدها؟" فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما حرم أكلها" . أخرجه النسائي من حديث مالك، وأخرجه الشيخان من حديث يونس. ووقع لنا حديث يونس عاليا. قرأت على الفقيه المفتي أبي الحسن هبة الله الشافعي فيما قرئ على الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي وهو يسمع، ثنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل – قراءة عليه –، ثنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن يحيى المزكي بنيسابور، ثنا محمد بن يعقوب بن يوسف الأصم، أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هلا انتفعتم بجلدها؟" فقالوا: إنها ميتة. قال: "إنما حرم أكلها" . ورواه الشيخان من حديث صالح، عن الزهري. ورواه سفيان عن الزهري، فذكر فيه الدباغ، ولفظ مسلم فيه: عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟" قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها" . وفي رواية لمسلم: "عن ميمونة" . ورواه النسائي من جهة سفيان بسنده عن ميمونة، وليس فيه ذكر الدباغ، وفيه: "إنما حرم الله عز وجل أكلها" . وقال يعقوب بن سفيان عن أبي بكر الحميدي – في هذا الحديث – قال: "كان سفيان ربما قاله عن ابن عباس، ولم يذكر فيه ميمونة، فإذا وقف عليه قال: "هو عن ميمونة" ، وقيل له: فإن معمرا لا يقول فيه: "فدبغوه" ، ويقول: "كان الزهري ينكر الدباغ" ، فقال سفيان: "لكني أنا أحفظ فيه" ، وفي الحديث الآخر: حديث عمرو، [عن] عطاء، عن ابن عباس ". قال البيهقي:" رواه جماعة، عن الزهري: مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وغيرهم، فلم يذكروا فيه: "فدبغوه" ، وقد حفظه سفيان، والزيادة من مثله مقبولة إذا كانت لها شواهد. وقد تابعه على ذلك عقيل بن خالد، وسليمان [بن] كثير، والزبيدي – فيما روي عنهم –، وهو في حديثه، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح ". انتهى. وتابعه أسامة بن زيد الليثي، عن عطاء، رواه الدارقطني من جهة ابن وهب، عن أسامة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل شاة ماتت:" ألا نزعتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ "وأخرجه البيهقي، قال:" وهكذا رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، وكذلك رواه يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، ورواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس مطلقا دون ذكر الدباغ فيه". قلت: وقد روي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه، عن ابن عباس من غير ذكر الدباغ. أخرجه البزار من حديث شعبة، عن يعقوب، ولفظه: ماتت شاة لميمونة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره" . قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه إلا شعبة" . وقد روي عن عطاء، عن ابن عباس من وجوه. [ورواه] النسائي من جهة الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن حفص بن الوليد، عن محمد بن مسلم – هو الزهري –، عن عبيد الله، عن ابن عباس ليس فيه ميمونة، وفيه: كانت من الصدقة، فقال: "لو نزعوا جلدها فانتفعوا به" ، ولم يذكر الدباغ. ورواه أيضا من جهة الشعبي قال: قال ابن عباس: مر النبي صلى الله عليه وسلم على شاة ميتة فقال: "ألا انتفعتم بإهابها؟" . ورواه الدارقطني من جهة إسحاق بن راشد، عن الزهري، وقال: "إنما حرم عليكم لحمها، ورخص لكم في مسكها" ، وقال عقيب هذا: "هذه أسانيد صحاح" . و "المسك" – بفتح الميم، وسكون السين: الجلد. ورواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني عطاء منذ حين، أخبرني ابن عباس: أن ميمونة أخبرته: أن داجنة كانت لبعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به؟" رواه مسلم، والنسائي، وليس فيه ذكر الدباغ. و "الداجن" : الشاة، أو الطائر الذي يألف البيوت ويتردد فيها، وجمعها: دواجن، وقد دجن في بيته: إذا لزمه. وروي أيضا من حديث إبراهيم بن نافع المكي، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر الدباغ، ولفظه: ماتت شاة في بعض بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا انتفعتم بمسكها؟" أخرجه الطبراني في "أوسط معاجمه" عن أحمد بن زهير، عن علي بن شعيب السمسار، عن يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم [بن] نافع إلا يحيى بن أبي بكير" . وروى مسلم من جهة عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة فقال: "ألا استمتعتم بإهابها؟" . ورواه مسلم من حديث سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أخذوا إهابها فدبغوه، فانتفعوا به؟" . وأخرجه النسائي من حديث سفيان بذكر الدباغ ايضا. وقد روي من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس أيضا من جهة ثابت بن عجلان، عن سعيد، ولفظه: قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بعنز ميتة، فقال: "ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهاب هذه؟" رواه محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن هشام بن عمار، عن عبد الملك بن محمد [الصنعاني] ، عن ثابت. وأراد الأثرم تعليل هذا الحديث – حديث ابن عباس – بالاختلاف، فذكر حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" . وروى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "هلا انتفعتم بإهابها؟" وروى إسماعيل، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن [سودة] بنت زمعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فهذا حديث ابن عباس قد اضطربوا فيه: مرة يجعلونه سماعا لابن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة عن ميمونة، ومرة عن سودة، فاضطرب الحديث لاختلافه" . قلت: أما حديث [ابن] وعلة عن ابن عباس، فمختلف اللفظ والسند مع حديث [عبيد الله] عنه، فلا يجعل مع حديثه الآخر واحدا حتى يعلل به. وأيضا ففي حديث [ابن] وعلة عن ابن عباس: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عبيد الله عنه لم يذكر السماع، والذي يثبت فيه: أنه سمعه من ميمونة، فليسا بواحد. وأما الاختلاف في حديث عبيد الله في كونه تارة:" عن ابن عباس "، وتارة:" عنه، عن ميمونة"، فليس في رواية من اقتصر على ابن عباس ذكر سماعه له من النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما ذكرناه عن يعقوب بن سفيان ما يقوي كونه عن ميمونة، وإن أرسل من جهة ابن عباس لم يناف ذلك سماعه له من ميمونة، والرواية التي ذكر فيها روايته إياه عن ميمونة زيادة فتقبل. وأما رواية إسماعيل، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، فإما أن يرجح عليها رواية الزهري فلا تعارض بها، وإما أن تجعل حديثاً آخر. حديث آخر: روى مالك عن [يزيد] بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن [يستمتع] بجلود الميتة إذا دبغت. أخرجه أبو داود، والنسائي، وعلله الأثرم فقال: "وأما حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، فإن أمه غير معروفة، ولم نسمع أنه روى عنها غير هذا الحديث" . وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث: مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت؟ قال فيه: أمه؟! كأنه كرهه من أجل أمه" . حديث آخر: روى فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت لها شاة [تحتلبها] ، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعلت الشاة؟" قالوا: ماتت، قال: "أفلا انتفعتم بإهابها؟" فقلت: إنها ميتة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر" . رواه الدارقطني، وقال: "تفرد به فرج بن فضالة، وهو ضعيف" .