فَدَخَلْنَا الْكَنِيسَةَ ، فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَنْتَ رَسُولُ قَيْصَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . قَالَ : قُلْتُ : حَدِّثْنِي عَنْ ذَلِكَ . قَالَ : إِنَّهُ لَمَّا غَزَا تَبُوكَ ، كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ وَضَعَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ ، وَبَعَثَ إِلَى بَطَارِقَتِهِ وَرُؤُوسِ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسُولاً ، وَكَتَبَ إِلَيْكُمْ كِتَابًا يُخَيِّرُكُمْ إِحْدَى ثَلاَثٍ : إِمَّا أَنْ تَتَّبِعُوهُ عَلَى دِينِهِ ، أَوْ تُقِرُّوا لَهُ بِخَرَاجٍ يَجْرِي لَهُ عَلَيْكُمْ وَيُقِرَّكُمْ عَلَى هَيْئَتِكُمْ فِي بِلاَدِكُمْ ، أَوْ أَنْ تُلْقُوا إِلَيْهِ بِالْحَرْبِ . قَالَ : فَنَخَرُوا نَخْرَةً حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَرَانِسِهِمْ ، وَقَالُوا : لاَ نَتَّبِعُهُ عَلَى دِينِهِ ، وَنَدَعُ دِينَنَا وَدِينَ آبَائِنَا ، وَلاَ نُقِرُّ لَهُ بِخَرَاجٍ يَجْرِي لَهُ عَلَيْنَا ، وَلَكِنْ نُلْقِي إِلَيْهِ الْحَرْبَ . فَقَالَ : قَدْ كَانَ ذَاكَ ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَفْتَاتَ دُونَكُمْ بِأَمْرٍ قَالَ عَبَّادٌ : فَقُلْتُ لاِبْنِ خُثَيْمٍ : أَوَلَيْسَ قَدْ كَانَ قَارَبَ وَهَمَّ بِالإِِسْلاَمِ فِيمَا بَلَغَنَا ؟ قَالَ : بَلَى لَوْلاَ أَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ قَالَ : فَقَالَ : ابْغُونِي رَجُلاً مِنْ الْعَرَبِ أَكْتُبْ مَعَهُ إِلَيْهِ جَوَابَ كِتَابِهِ . قَالَ : فَأَتَيْتُ وَأَنَا شَابٌّ ، فَانْطُلِقَ بِي إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ جَوَابَهُ ، وَقَالَ لِي : مَهْمَا نَسِيتَ مِنْ شَيْءٍ فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلاَثَ خِلاَلٍ : انْظُرْ إِذَا هُوَ قَرَأَ كِتَابِي هَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَهَلْ يَذْكُرُ كِتَابَهُ إِلَيَّ ، وَانْظُرْ هَلْ تَرَى فِي ظَهْرِهِ عَلَمًا ، قَالَ : فَأَقْبَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ وَهُوَ بِتَبُوكَ فِي حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُنْتَجِينَ . فَسَأَلْتُ ، فَأُخْبِرْتُ بِهِ ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَدَعَا مُعَاوِيَةَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى قَوْلِهِ : دَعَوْتَنِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَأَيْنَ النَّهَارُ ؟ قَالَ : فَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَخَرَّقَهُ ، فَخَرَّقَهُ اللَّهُ مُخَرَّقَ الْمُلْكِ ، قَالَ عَبَّادٌ : فَقُلْتُ لاِبْنِ خُثَيْمٍ : أَلَيْسَ قَدْ أَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ ، وَنَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ؟ قَالَ : بَلَى ، ذَاكَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ وَهَذَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ . قَدْ ذَكَرَهُمْ ابْنُ خُثَيْمٍ جَمِيعًا وَنَسِيتُهُمَا - وَكَتَبْتُ إِلَى كِسْرَى كِتَابًا ، فَمَزَّقَهُ ، فَمَزَّقَهُ اللَّهُ مُمَزَّقَ الْمُلْكِ . وَكَتَبْتُ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا ، فَأَجَابَنِي فِيهِ ، فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَخْشَوْنَ مِنْهُمْ بَأْسًا مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ ثُمَّ قَالَ لِي : ممَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ تَنُوخٍ ، قَالَ : يَا أَخَا تَنُوخٍ ، هَلْ لَكَ فِي الإِِسْلاَمِ ؟ قُلْتُ : لاَ ، إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ قِبَلِ قَوْمٍ وَأَنَا فِيهِمْ عَلَى دِينٍ ، وَلَسْتُ مُسْتَبْدِلاً بِدِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَبَسَّمَ . فَلَمَّا قَضَيْتُ حَاجَتِي ، قُمْتُ ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي ، فَقَالَ : يَا أَخَا تَنُوخٍ ، هَلُمَّ فَامْضِ لِلَّذِي أُمِرْتَ بِهِ قَالَ : وَكُنْتُ قَدْ نَسِيتُهَا ، فَاسْتَدَرْتُ مِنْ وَرَاءِ الْحَلْقَةِ ، وَألْقَى بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَنْ ظَهْرِهِ ، فَرَأَيْتُ غُضْرُوفَ كَتِفِهِ مِثْلَ الْمِحْجَمِ الضَّخْمِ.