٢٣٣ - فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مُدَّةُ سَفَرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَدِينَةِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ لِذِي الْقَعْدَةِ وَتَسْتَوْفِي عَلَى مَكَّةَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ لِذِي الْحِجَّةِ وَفِي اسْتِقْبَالِ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ، فَتِلْكَ سَبْعُ لَيَالٍ لَا مَزِيدَ. وَهَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمْرٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فَصَحَّ أَنَّ خُرُوجَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ لِذِي الْقَعْدَةِ، وَتَآلَفَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَانْتَفَى الِاعْتِرَاضُ عَنْهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَالْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا §الْبَابُ الثَّانِي: تَعَارُضٌ فِي طِيبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَوَّهَ قَوْمٌ إِمَّا لِسَبَبِ الْجَهْلِ، وَإِمَّا عَمْدًا فَهُوَ أَشَدُّ فِيمَا رُوِّينَا مِنْ طِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِإِحْرَامِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَيَّبَ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا. وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: §طَيَّبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْلَالِهِ، وَطَيَّبْتُهُ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا، تَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ. وَلَا نَدْرِي كَيْفَ جَازَ هَذَا التَّمْوِيهُ عَلَى أَحَدٍ لَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَيَّبَ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ - [٢٣٥] - أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا §طَيَّبَتْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَحْرَمَ وَرَوَى أَيْضًا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا §طَيَّبْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَحْرَمَ فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَسَالِمٍ كُلِّهُمْ عَنْهَا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ §طَيَّبْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ حُرُمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: §طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَعِنْدَ إِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِيَدَيَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ، وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: §طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ بِالْبَيْتِ بِأَطْيَبِ مَا وَجَدْتُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ طِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِإِحْرَامِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا رِوَايَةَ الْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا رَأَتْ ذَلِكَ الطِّيبَ فِي مَفَارِقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاقِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ الْأَسْوَدُ: بَعْدَ ثَلَاثٍ يَعْنِي لَيَالِيَ. فَصَحَّ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الطِّيبَ الَّذِي ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُوَ غَيْرُ الطِّيبِ الَّذِي ذَكَرَ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَعَمْرَةُ وَسَالِمٌ وَمَسْرُوقٌ وَالْأَسْوَدُ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ عَنْهَا كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الطِّيبِ وَبَيْنَ إِحْرَامِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةُ تِطْوَافٍ عَلَى النِّسَاءِ وَاغْتِسَالٍ، وَالطِّيبَ الَّذِي ذَكَرَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ حِينَ الْإِحْرَامِ، وَبَقِيَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مُدَّةً طَوِيلَةً لَمْ يُغْسَلْ، وَلَوْ غُسِلَ لَمَا بَقِيَ بِلَا شَكٍّ. فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَتَآلَفَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَبَطَلَ تَمْوِيهُ مَنْ لَمْ يُرَاقِبِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ نَاصِرًا لِتَقْلِيدِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ غَيْرُ مُعَارِضٍ وَلَا مُفْسِدٍ لِأَحَادِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا بِلَا شَكٍّ - [٢٣٧] -. ثُمَّ نَقُولُ: لَوْ جَاءَ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ عَائِشَةَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ لَكَانَ لَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ ذِي بَصَرٍ بِالرِّجَالِ وَالْأَخْبَارِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوِ انْفَرَدَ وَحْدَهُ أَوْثَقُ وَأَعْلَمُ وَأَفْضَلُ وَأَضْبَطُ وَأَخَصُّ بِعَائِشَةَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ بِهَا، فَكَيْفَ بِهِمْ كُلُّهُمْ إِذَا اتَّفَقُوا؟ فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ أَنْ يُعَارِضَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَهُوَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُعَارِضٍ لِمَا رَوَى هَؤُلَاءِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى نَعُوذُ مِنَ الْخُذْلَانِ لَا سِيَّمَا الْأَسْوَدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الِاخْتِصَاصِ بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِحَيْثُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا يَسْأَلُهُ عَنْ أَخْبَارِهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبَةِ؟ فَقَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا عَائِشَةُ §لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ - لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ" ، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، سَأَلَ الْأَسْوَدَ قَالَ: وَكَانَ يَأْتِي عَائِشَةَ، وَإِنَّهَا كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - [٢٣٨] -. فَكَيْفَ إِذَا اسْتَضَافَ إِلَيْهِ مَسْرُوقٌ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ الْكِبَارِ، وَمِمَّنْ أَفْتَى وَكِبَارُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَحْيَاءٌ، ثُمَّ وَافَقَهُ عُرْوَةُ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ، وَمِنْ أَفْطَنِ النَّاسِ بِهَا، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهَا وَرَبَا فِي حِجْرِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتِيمًا وَهِيَ مُتَوَلِّيَةٌ أَمْرَهُ، وَعَمْرَةُ وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ وَمَعَهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَالْعَجَبُ مِنْ تَعَلُّقِ الْمَالِكِيِّينَ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَهِيَ رِوَايَةٌ عِرَاقِيَّةٌ كُوفِيَّةٌ إِنَّمَا رَوَاهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ بْنِ الْأَجْدَعِ أَخِي مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، وَرَوَاهَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمِسْعَرٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ وَهَؤُلَاءِ عِرَاقِيُّونَ كُوفِيُّونَ وَوَاسِطِيٌّ وَبَصْرِيٌّ، وَأَضْرَبُوا عَنْ رِوَايَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُمُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعُرْوَةُ وَعَمْرَةُ، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِرِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْهُمْ، وَيُعَظِّمُونَ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ أَحَبُّوا حَتَّى إِذَا لَمْ نُوَافِقْ تَقْلِيدَهُمْ تَعَلَّقُوا بِمَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَضَرَبُوا بِهَا رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَرَكْنَا رِوَايَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِ بِرِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُنَا، وَرِوَايَةُ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَلَسْنَا نَقُولُ هَذَا تَفْضِيلًا لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ لَكِنْ تَبْكِيتًا لَهُمْ عَلَى تَنَاقُضِهِمْ وَتَعَلُّلِهِمْ بِمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ لِبَعْضٍ مِنْهَا عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْهَا - [٢٣٩] -. وَمَنْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ مِنْ بَقَاءِ وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ هُوَ أَنَّهُ بَقِيَ الْوَبِيصُ بَعْدَ الْغَسْلِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ لَا يَخْلُو ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ غُسْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَوْفِهِ عَلَى نِسَائِهِ غَيْرَ مُسْتَوْفًى وَلَا مُحْكَمٍ، وَهَذَا لَغْوٌ مِنْ قَائِلِهِ وَلَا يَنْسُبُ هَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مُشْرِكٌ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْكَمَ غُسْلَهُ كَمَا صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ دَلَكَ شُئُونَ رَأْسِهِ وَخَلَّلَهُ بِيَدَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى لِلطِّيبِ أَثَرٌ بَعْدَ هَذَا أَصْلًا، لَا وَبِيصٌ وَلَا غَيْرُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَبْقَى لِلطِّيبِ أَثَرٌ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ غُسْلٍ مُحْكَمٍ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الطِّيبُ قَبْلَ ذَلِكَ الْغُسْلِ ثُمَّ لَمْ يَتَطَيَّبِ الْمُغْتَسِلُ بَعْدَ غُسْلِهِ هُوَ مَجْنُونٌ مُجَاهِرٌ بِالْمُحَالِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوْلٍ يُنْسَبُ قَائِلُهُ: إِمَّا فِي حَالَةِ اللَّغْوِ، وَإِمَّا فِي حَالَةِ الْجُنُونِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ النَّحَّاسِ فَسَاقِطٌ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا عُمَيْرٍ لَا أَدْرِي مَا حَالُهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ، لَيْسَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَهَا وَهُوَ ظَنٌّ - كَمَا تَرَى - وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا فَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا رَأَتِ الطِّيبَ فِي مَفَارِقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَهُو مُحْرِمٌ يُبْطِلُ هَذَا الظَّنَّ الْفَاسِدَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَتَعَلَّقُوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَخْبَرَهُ أَنْ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: §لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ بِهِ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةَ آنِفًا» ؟ فَالْتُمِسَ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا لِوَجْهَيْنِ ظَاهِرِينَ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ بِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ الَّذِي كَانَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ إِنَّمَا كَانَ صُفْرَةً وَهِيَ الْخَلُوقُ، وَالصُّفْرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا الرِّجَالُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ الصُّفْرَةِ فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: §وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ: فَقَالَ - يَعْنِي عُمَرَ - أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ، قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ اغْسِلْ أَثَرَ الصُّفْرَةِ أَوْ قَالَ: أَثَرُ الْخَلُوقِ، وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ،: سَمِعْتُ قَيْسًا، هُوَ ابْنُ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مُصَفِّرٌ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ وَأَنَا كَمَا تَرَى فَقَالَ: «§انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكِ - [٢٤٢] - فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ» . فَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: §نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، وَكَانَتْ جُبَّةُ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَيْهَا الْخَلُوقُ وَهَذَا حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ §مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ فَلْيَكْشِفْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» - [٢٤٣] -. فَإِنَّمَا نَهَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَنِ الزَّعْفَرَانِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ مُحْرِمًا كَانَ أوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَنَهَى عَنِ الْجُبَّةِ إِذَا مَسَّهَا الزَّعْفَرَانُ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي تَطَيَّبَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ بِعَامَيْنِ وَشَهْرٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَةَ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِشَهْرَيْنِ، ثُمَّ حَجَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ، ثُمَّ حَجَّ فِي الْعَامِ الثَّالِثِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ تَطَيُّبُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِإِحْرَامِهِ بَعْدَ حَدِيثِ هَذَا الرَّجُلِ بِعَامَيْنِ وَشَهْرٍ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ. هَذَا لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِتَطَيُّبِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ مُخَالِفًا وَلَا فِيهِ نَهْيٌ عَنِ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِمَا عَدَا الْخَلُوقِ أَصْلًا؟ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِكُلِّ وَجْهٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَالْعَجَبُ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي هَذَا وَأَخْذِهِمْ بِرِوَايَةٍ مَكِّيَّةٍ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ أَيْضًا بِهَا، وَتَرْكِهِمْ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الَّتِي بِهَا يَحْتَجُّونَ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ لَهُ آخِرَ فِعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعَلَّقُوا بِفِعْلٍ مُتَقَدِّمٍ لَيْسَ أَيْضًا لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبَقِيَ التَّطَيُّبُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ لَا شُبْهَةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، وَلَا يَجِدُونَ مُتَعَلِّقًا يَشْغَبُونَ بِهِ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ